أقلام الثبات
في الآونة الأخيرة، عاد بعض اللبنانيين إلى التداول بفكرة "الوصاية على لبنان”، سواء عبر الدعوة إلى فرضها أو الإيحاء بأن الحلّ لمسألة سلاح حزب الله وفرض "سيادة الدولة اللبنانية" يكون عبر "الوصاية الدولية"، وهما أمران نقيضان!
والمفارقة الأخرى، أنّ هذه الطروحات تأتي في وقت أصبحت فيها الوصاية – كمفهوم قانوني دولي – منتهية الصلاحية، بعدما أسقطها التطوّر في منظومة الأمم المتحدة واندثار الحقبة الاستعمارية التي نشأت ضمنها.
- انتهاء نظام "الوصاية"
لم ينشأ نظام الوصاية في الأمم المتحدة ليُفرض على دول مستقلة، بل كان موجهاً إلى أقاليم غير متمتعة بالحكم الذاتي، أي تلك التي كانت خاضعة للاستعمار في منتصف القرن العشرين. هذا النظام جاء نتيجة تسوية دولية بعد الحرب العالمية الثانية، بهدف نقل تلك الأقاليم تدريجياً إلى الاستقلال تحت إشراف "مجلس الوصاية".
ومع موجة تحرر الشعوب، وتصفية الاستعمار، وتحوّل تلك الأقاليم إلى دول مستقلة تباعاً، تراجع دور مجلس الوصاية تدريجياً إلى أن توقف عملياً عام 1994 بعد استقلال بالاو؛ آخر إقليم خاضع للوصاية، ومنذ ذلك التاريخ لم يعد هناك إطار قانوني دولي يمكن من خلاله وضع دولة مستقلة تحت الوصاية، لأن الأمم المتحدة نفسها أنهت هذا النظام بإغلاق ملفاته ووقف اجتماعاته الدورية.
- لا وصاية على دولة عضو
أما لبنان، ومنذ دخوله الأمم المتحدة عام 1945، فهو دولة ذات سيادة كاملة وفق المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة التي تكرّس “المساواة في السيادة بين جميع أعضائها”. لا يمكن قانونياً ولا سياسياً وضع دولة عضو ومؤسس تحت أي شكل من أشكال الوصاية، لأن ذلك يناقض جوهر النظام القائم على احترام سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
والأهم، أنّ الأمم المتحدة لا تقيم وصاية على الدول، بل توقّع معها اتفاقات، وترسل بعثات دعم تقنية أو قوات حفظ سلام بطلب من حكوماتها. أما تحويل دولة ذات سيادة إلى "إقليم خاضع لوصاية"، فليس فقط مستحيلاً قانوناً، بل يمثّل انقلاباً على أحد أهم المبادئ الآمرة في القانون الدولي وهو: حق الشعوب في تقرير مصيرها.
العجيب، أن الشعوب تناضل للتحرّر من الاستعمار وليس العكس. لقد دفعت أجيال بكاملها أثماناً باهظة: نضالات، ثورات، حروب استقلال، وضحايا كثر. كل ذلك كي تصبح الدول قادرة على حكم نفسها بنفسها، وتتحمّل مسؤولية خياراتها وتدير مواردها ومؤسساتها.
من هنا، يصبح مستغرباً – بل صادماً – أن يخرج مسؤول أو صاحب موقع عام ليطالب بوصاية على بلاده، وكأنّ الأوطان تُدار بالنيابة، وكأنّ التاريخ لم يسجّل كل هذا الكم من التضحيات التي قدّمتها الشعوب للوصول إلى اللحظة التي تقف فيها دولها على قدمَيها بين الأمم.
وإذا كانت الأزمات اللبنانية حادّة، فإنّ الحلّ ليس باستدعاء وصيّ خارجي، بل بتعزيز المؤسسات، والاصلاح، وتحمل المسؤولية الوطنية، والذهاب الى استراتيجية أمن وطني، تسهم في صياغتها جميع الأطراف، وتؤمّن الدفاع عن لبنان وشعبة وأرضه، وتكرس سيادة الدولة اللبنانية.
نداء للإخوة الفلسطينيين: لا تتأخروا عن الالتحاق بالحرب _ د. نسيب حطيط
بروح السيد… عادوا إلى البحر، والبارجة تحترق من جديد ـ محمد دياب
"إسرائيل" تعلن عجزها عن تفكيك المقاومة ونزع سلاحها _ د. نسيب حطيط