والله يعلم وأنتم لا تعلمون

الإثنين 06 نيسان , 2026 11:20 توقيت بيروت إسـلاميــّـــات

الثبات- إسلاميات 

تُعدّ الآية الكريمة: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ من أعظم الآيات التي تُرسّخ في قلب المؤمن معنى التسليم والثقة بحكمة الله تعالى.

 فهي تضع حدًا لقلق الإنسان وحيرته أمام ما يواجهه من أقدار قد تبدو في ظاهرها مؤلمة أو غير مفهومة، لكنها في حقيقتها محاطة بعلم الله الذاتي الأزلي، وحكمته البالغة.

إن الإنسان بطبيعته محدود الإدراك، يرى اللحظة ولا يرى العواقب، بينما الله سبحانه يعلم يعلم كل شيء يعلم خفايا الأمور ونتائجها، حيث لا تخفى عليه خافية، قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فكم من أمرٍ ظنه الإنسان خيرًا فكان فيه هلاكه، وكم من أمرٍ كرهه فكان سبب نجاته وسعادته.

ومن رحمة الله بعباده أنه يدبّر شؤونهم بما يصلحهم، حتى وإن خالف ذلك رغباتهم، فهو القائل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. فكل منعٍ هو في حقيقته عطاء مؤجل أو صرفٌ لشرٍّ أعظم.

وقد علّمنا النبي ﷺ هذا المعنى في حديثه العظيم:

((عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له)) 

فالمؤمن يعيش بين الشكر والصبر، وكلاهما خير، لأنه يعلم أن وراء كل قدر حكمة إلهية.

وفي حديث آخر يبين عمق هذا المعنى:

((واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك))

وهذا يزرع في القلب طمأنينة عظيمة، إذ يدرك المؤمن أن حياته تسير وفق تقدير دقيق لا يعتريه نقص ولا خطأ.

إن الرضا بقضاء الله ليس استسلامًا سلبيًا، بل هو يقين إيجابي بأن الله يختار لعبده الأفضل، حتى لو بدا الطريق صعبًا.

 وقد قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أي يرزقه السكينة والرضا.

ومع مرور الأيام، تتكشف للإنسان بعض جوانب الحكمة فيما مرّ به، فيدرك أن ما حُرم منه لم يكن مناسبًا له، وأن ما تأخر عنه كان لوقتٍ أنسب، وأن ما كُتب له كان أجمل مما تمنى. وهنا يكتمل معنى الإيمان بهذه الآية: أن نثق بعلم الله قبل أن نفهم حكمته.

وفي الختام، فإن هذه الآية الكريمة تدعو المؤمن إلى أن يعيش مطمئن القلب، راضي النفس، يعلم أن الله لا يقدّر إلا الخير، وأن وراء كل منع عطاء، ووراء كل تأخير حكمة، ووراء كل ألم لطف خفي.

 فمن امتلأ قلبه بهذا اليقين، عاش حياةً هادئة مهما تقلبت به الظروف، لأنه يعلم أن الله يعلم وهو لا يعلم.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل