خاص الثبات
في ليلٍ يشبه ليالي الوجع الأولى، حين كان البحر شاهداً على النار، والسماء مرآةً للدخان، يعود المشهد… لكن هذه المرة بذاكرةٍ أثقل، وجرحٍ أعمق، وروحٍ لا تزال تقاوم.
هناك، على امتداد الأفق، لم يكن البحر هادئاً كما يبدو. كان يغلي بصمتٍ، كما يغلي قلب كل لبناني يرى أرضه تُستباح، وبيوته تُهدّم، وأطفاله يُقتلعون من دفء الحياة إلى برد النزوح. وفي لحظةٍ خاطفة، كأنها ومضة قدر، اشتعلت البارجة… لا كحادث عابر، بل كرسالة مكتوبة بالنار: أن هذا الوطن، رغم جراحه، لا يُكسر.
ليست المسألة مجرد ضربةٍ عسكرية، ولا مجرد هدفٍ أُصيب. إنها لحظة تختصر تاريخاً من الألم والصمود. لحظة يقول فيها الجنوب من جديد: هنا نقف… هنا لا يمرّ العدوان بلا ثمن.
يتكرر المشهد، نعم… تعود الذاكرة إلى 2006، إلى تلك الأيام التي ظنّ فيها العدو أن القوة تكفي لفرض المعادلات. لكن ما لم يفهمه حينها، ولا يفهمه الآن، أن في هذه الأرض شيئاً لا يُقاس بالسلاح: إرادة البقاء. إرادة الناس الذين يزرعون الحياة فوق الركام، ويحوّلون الحزن إلى قوة، والخسارة إلى تصميم.
قد يغيب الصوت الذي اعتاد الناس أن يستمدوا منه الثبات، لكن الروح باقية. حاضرة في كل مقاومٍ يرصد، في كل عينٍ تسهر، في كل أمٍّ تودّع ابنها بقلبٍ يرتجف وفخرٍ لا ينكسر. الروح نفسها التي كانت تقول: “لن تُهزم هذه الأرض ما دام فيها من يقاتل لأجلها”.
وها هو البحر يشهد من جديد… أن لبنان، رغم كل شيء، ليس ساحةً مستباحة، بل وطنٌ يعرف كيف يردّ، وكيف يكتب معادلاته بدمه وصبره.
هي ليست نهاية مشهد، بل بداية فصلٍ آخر. فصلٌ تُرسم فيه الحدود بالنار، لكن يُكتب فيه الأمل أيضاً… بأن هذا الشعب، مهما اشتدت عليه العواصف، لا يغرق.
﴿وما النصر إلا من عند الله﴾… ليست آية تُتلى فقط، بل يقينٌ يسكن القلوب، ويمنحها القدرة على الصمود حين تضيق الدنيا.
وفي زمنٍ تتكرر فيه الصور، يبقى الفرق دائماً: أن في لبنان ذاكرة لا تنسى، وقلباً لا يخضع، وشعباً إذا عادوا عاد… لكنه يعود هذه المرة وهو أكثر وعياً، وأكثر إصراراً، وأكثر إيماناً بأن الأرض التي رُويت بالدم، لا تُسلَّم إلا للحياة.
"إسرائيل" تعلن عجزها عن تفكيك المقاومة ونزع سلاحها _ د. نسيب حطيط
الصراع الأيديولوجي بين محور المقاومة والتحالف الأمريكي - "الإسرائيلي" _ د. نسيب حطيط
عهد "أبو عمر" الأميركي _ عدنان الساحلي