أقلام الثبات
تستمر الحرب الأمريكية على سوريا لبناء الشرق الأوسط الأمريكي، فبعد إنجازها المرحلة الأولى بإسقاط النظام المعادِي "لإسرائيل" والمؤيد للمقاومة، وتسليم "جبهة النصرة" التكفيرية السلطة في سوريا؛ وفق مهمتها الوظيفية الدينية بتحريف الإسلام وتفريغه من جوهره الرحيم والعالمي إلى دين يُكفّر ويذبح كل من يخالفه، وعلى المستوى السياسي إقامة الحروب المذهبية والطائفية والقومية، مع التعهد بعدم قتال العدو "الإسرائيلي"، والاكتفاء بمقاتلة وحصارحركات المقاومة التي يصفها بالإرهابية دون تمييز بين حركات المقاومة (السنيّة والشيعية) سواء التي أيّدته ورفعت أعلامه أو التي قاتلته.
على مشارف الذكرى الثانية لتسليم "جبهة النصرة" السلطة، تتجه أمريكا و"إسرائيل" اللتان تتحكمان بالمسار السوري بشراكة تركية وتغييب للعرب، وإظهار الرئيس السوري "ماريونيت" سياسي تحرّكه حبال متعددة، مرتبطة بحبل أمريكي رئيسي، فيؤدي دوره التمثيلي كرئيس نظام وقائد محرّر (مصدّقاً لوهمه)، لكنه في الحقيقة رئيسٌ مأمورٌ لا يملك القرار أو حق الاعتراض، ويعيش في متاهة سياسية تُلزمه بإطاعة أمريكا التي نصّبته حاكماً وتستطيع عزله وقتله، ولا تسمح له بحق الاعتراض أو الرفض أو الرد على الاعتداءات "الإسرائيلية" وتمنعه من الاعتراض على منح ترامب الجولان "لإسرائيل".
تحاول أمريكا تضخيم حجم سوريا الجديدة وتكليفها بمهام إقليمية بالنيابة عن "إسرائيل" وامريكا، واستعادة الدور والموقع الذي كرّسه الرئيس حافظ الأسد حتى وصلت الأمور إلى أن تتجرأ الشخصيات والجماعات التي صنعتها أمريكا ثم صنّفتها بأنها إرهابية وتهدد بالدخول الى لبنان والعراق ضد المقاومة والحشد الشعبي لفرض حصر السلاح بيد الدولة؛ تنفيذاً للمطالب "الإسرائيلية" والأمريكية وتتصرف وكأنها دولة عظمى لها الحق بالتدخل في الشؤون اللبنانية والعراقية؛ ارتكازاً على الوهم الذي تعيشه بقدرتها على التدخل العسكري ضد العراق ولبنان، وهي التي لم ولن تستطيع إمساك الأمن داخل سوريا أو رد الاعتداءات "الإسرائيلية".
تمسك أمريكا و"إسرائيل" بعدد من أوراق القوة والقرار داخل سوريا خارج صندوق سلطة "جبهة النصرة" الحاكمة، فتمسك "إسرائيل" بالقرار الدرزي، وأمريكا بالقرار الكردي، وتركيا بجزء من القرار، مع انتظار تلزيم القرار "العلوي" إلى طرف يحدده توازن القوى بين روسيا وأمريكا، بعدما امتنع العلويون - رغم المجازر التي تعرّضوا لها - عن المطالبة "بالحماية الإسرائيلية".
غياب القرار السوري المستقل جعل من سوريا جغرافيا مستباحة تدفعها أمريكا إلى الالتحاق بقطار الفوضى الدموية؛ وفق النموذج الليبي الأكثر نقاءً من سوريا على المستوى المذهبي والقومي، ومع ذلك لا زالت الحرب الأهلية مستمرة بعد إسقاط الرئيس القذافي، ولا مؤشر لانتهاء تدمير هذا البلد وتفكيكه ونهب ثرواته، وكما حدث في السودان الذي تم تقسيمه في المرحلة الأولى ثم أشعلوا الحرب الأهلية التي لا زالت مستمرة أيضاً، وهذا ما تريده أمريكا و"إسرائيل" في سوريا، وتعملان على تأمين كل عناصر الانزلاق السوري نحو الفوضى والحروب الأهلية المذهبية والقومية، لتفكيكها والاطمئنان لاستحالة عودتها "دولة موحّدة" قوية حتى تحت سيطرة التكفيريين الذين تمسك برقابهم أمريكا والمال العربي، لأن أمريكا و"إسرائيل" لا تثقان بأدواتهما وعملائهما، ولا تريدان الغرق في مستنقعات الحروب الأهلية، وتكتفيان بصب الزيت على نار النفوس الحاقدة على بعضها.
يتصرف النظام السوري الجديد تحت تأثير الغرور والوهم وخداع النفس وكأنه يملك السلطة والقدرة على حل مشاكل الشعب السوري الاقتصادية والأمنية والهجرة واللجوء والنزاعات القومية والمذهبية، وتجاوز حدود قدراته وتجرأ على البدء بممارسة دور "الأستاذ" على حركات المقاومة في لبنان والعراق وفلسطين، وتهديدها، وهو لم يرتقِ إلى مستوى النظام والدولة ومقوماتها، ولا يملك جيشاً نظامياً وفق المصطلح العسكري، بل مجموعة من الميليشيات المتفرقة الولاءات والتمويل والأهداف، ولولا الدعم والحماية والحضانة الأمريكية والتركية والعربية لسقط هذا النظام خلال أيام - وسيسقط - لكن دوره الوظيفي لم ينتهِ بعد، وعليه أن يكمل مهمته القذرة؛ بتفكيك سوريا وإشعال الحرائق فيها، وفي لبنان والعراق، لتدمير هذا "المثلث" الذي يشكل تهديداً مباشراً للأمن "الإسرائيلي" وجودياً، وإسقاطه خطوة ضرورية لقيام "إسرائيل الكبرى" وسيطرة أمريكا و"إسرائيل" على النفط والغاز.
يعيش الشعب السوري الشقيق "ضحية المشروع الأمريكي" حرباً دموية منذ 15 عاماً، وتحضّر له أمريكا مذبحة جديدة يمكن أن تستمر لعشرة أعوام أو أكثر وفق ما يحتاجه مخطط تفكيك وإحراق سوريا الموحّدة، ونشوء دويلات "كرتونية" ومساحات مذهبية وقومية تقتل بعضها.
حمى الله الشعب السوري الشقيق من شر أمريكا و"إسرائيل" وخطايا الجماعات التكفيرية، ليعود الأمن والسلام الداخلي لسوريا، ولتعود إلى موقعها العربي الإسلامي المناهض للغزو والاحتلال الأمريكي و"الإسرائيلي".
المشروع الأمريكي لتفكيك سوريا باستنساخ النموذجَيْن الليبي والسوداني _ د. نسيب حطيط
الأربعاء 12 آب , 2026 10:50 توقيت بيروت
أقلام الثبات
فشل الحرب على إيران.. وتطوير العقيدة النووية الأميركية _ يونس عودة
عندما يعيبون علينا أننا أهل الشرف ومقاومة المحتلين _ د. نسيب حطيط
"اتفاقية مكة".. قد تكون صفقة ناجحة.. وصفعة أكثر نجاحاً _ أمين أبوراشد