"اتفاقية مكة".. قد تكون صفقة ناجحة.. وصفعة أكثر نجاحاً _ أمين أبوراشد

الثلاثاء 11 آب , 2026 03:32 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

وقَّعت كل من السعودية وتركيا وباكستان يوم الجمعة الماضي "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، وقبل أن ينبري المحللون إلى اعتبار هذه الاتفاقية محوراً سُنياً إقليمياً بمواجهة المحور الشيعي الإيراني (ولهم رأيهم في هذا الإطار)، فإننا نرى أن المستقبل القريب قد يُثبت بأن هذه الاتفاقية هي صفقة تعزيز "الدفاع الذاتي" على المستوى الإقليمي، وهي صفعة مزدوجة للاستكبار الأميركي وقواعده الخائبة، وللغطرسة الصهيونية وأوهام التوسُّع.

ومع أخذنا بعين الاعتبار أن السعودية التي تربطها بإيران "وثيقة تفاهم بكين"، وقد تحلٌَت بالكثير  من الحكمة خلال المواجهات الأميركية الإيرانية التي تشظَّت منها المملكة، وأن تركيا كان لها الدور الفعَّال في ضبط الأكراد الانفصاليين الذين سلَّحتهم أميركا في شمال غرب إيران بهدف قلب النظام الإيراني، وباكستان هي الدولة الأقرب لإيران بدليل اختيارها للقيام بدور الوسيط في المفاوضات مع أميركا، وبالتالي فإن "اتفاقية مكة" ليست موجهة ضد إيران، بل هي نتاج قلق أمني لدى هذه الدول الإقليمية الثلاث الكبرى مما يحصل في المنطقة بعد السابع من أكتوبر 2023.

وإتفاقية مكة لم تأتِ مُفاجئة، لأنها حصيلة مباحثات جرت خلال العدوان الأميركي على إيران وانهيار القواعد الأميركية في الخليج، لكن المفاجئ هو غياب مصر عن هذه الاتفاقية، ربما لأن لديها حيثياتها، وأبرزها الانغماس في المحور الإماراتي المُخاصم للسعودية في الميدان الخليجي، وبما أن الإمارات تُغدق على مصر مساعدات واستثمارات غير مسبوقة عبر رجال أعمال إماراتيين في المدن الجديدة، خصوصاً في الساحل الشمالي، فإن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لا يستطيع أن يقول للرئيس الإماراتي محمد بن زايد: "شحَّدني وأنا سيدك".

الحيثية المصرية الثانية، هي في التنافس على الزعامة العربية والإسلامية التي كانت لمصر قبل التسعينات من القرن الماضي، كونها تمتلك الجيش الأقوى في المنطقة، لكنها ولأسباب سياسية واقتصادية، لم تستطع الصمود عربياً أمام نمو المملكة على هذين الصعيدين، ولا في التفوق الإقليمي الإسلامي على تركيا، وتكاد هذه "الزعامة المفقودة" عقدة القيادة المصرية تجاه السعودية وتركيا، فيما التحالف الأخير الذي أنتج اتفاقية مكة لن يواجه عقبة الزعامة لأن لكل دولة حيثيتها.

والبيان الختامي لقِمَّة مكة جاء واضحاً، أن الاتفاقية تهدف إلى تعزيز الردع المشترك وتطوير التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، وتنصّ على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الموقِّعة يُعد هجوماً على الجميع، وأن هذه الاتفاقية تستند إلى الروابط التاريخية والمصالح الاستراتيجية المشتركة بين الدول الثلاث، وتهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.

ولعل أهم تعليقين على توقيع هذه الإتفاقية، جاءا من وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف، ووزيرة الخارجية "الإسرائيلية" السابقة تسيبي ليفني.

وزير الدفاع الباكستاني قال: "إسرائيل تمثل تهديداً للعالم الإسلامي بأسره، ولا بُدَّ من تدشين جبهة عسكرية موحَّدة ضدها، وذلك بعد توقيع اتفاقية مكة للدفاع بين السعودية وتركيا وباكستان".

أما وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة ليفني فقالت: "بدلاً من تحالف أمني إقليمي بين إسرائيل والسعودية ودول أخرى، حصلنا اليوم على تحالف "الناتو الإسلامي" بين السعودية وتركيا وباكستان، وكما هو الحال دائماً عندما كانت هناك فرصة، فضَّل نتنياهو ائتلاف المتطرفين في حكومته على ائتلاف أمني إقليمي".

بدوره، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أعلن في منشور له على منصة إكس "إن الاتفاقية تقوم على مبدأ "الردع الجماعي"، وتشمل تعزيز التعاون الأمني والدفاعي، وتطوير مشاريع مشتركة في الصناعات الدفاعية، والتعاون في مكافحة الإرهاب".

هذه الإتفاقية من وجهة النظر السعودية خطوة مستقبلية مدروسة، وما قام به وليّ العهد السعوديّ هو للتحوُّط وتأمين حدود بلاده التي تبلغ مساحتها نحو 2,150,000 كلم مربع، ومن الصعب حماية كلّ حدودها البرّيّة والبحريّة دون تحالفات دفاعية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، حرر هذا الاتّفاق المملكة، من حصرية الإعتماد على الولايات المتّحدة وحدها ووضعها تحت مظلّة حماية دول قريبة جغرافياً ومتماثلة دينيّاً ومذهبيّاً واستراتيجياً.

وبوجود تركيا التي هي ثاني أكبر قوّة برّيّة في الحلف الأطلسيّ بعد الولايات المتّحدة، وتمتلك صناعة أسلحة متقدّمة، وباكستان التي تنفرد كدولة إسلامية بامتلاك قوّة نوويّة، ولديها اتّفاق مشترك وملزم مع المملكة السعوديّة، فإن اتفاقية مكة التي استطاعت جمع أقوى ثلاث دول إقليمية، تتضمن نصّاً قريباً من المادّة الخامسة من ميثاق الحلف الأطلسيّ، وهو "تعزيز الردع المشترك ضدّ أيّ اعتداء"، وينصّ صراحة على أن أي هجوم مسلّح على أيّ من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع، ويقول أيضاً: أنّه ليس موجّهاً ضدّ أيّ دولة أو أي محور عسكريّ أو تكتّل طائفيّ، بانتظار أن تقرأ مصر هذه الإتفاقية وتلتحق بها إذا قررت أن تحتفظ بثقلها الإقليمي، شرط أن تتخلى عن الخيار الإماراتي، لأن تاريخها لا يسمح لها بركوب القطار الذي يقوده محمد بن زايد نحو تل أبيب، لأن العودة من هناك إلى الحضن الإقليمي ستكون غاية في الصعوبة.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل