من الخريطة إلى الوقائع: جنوب لبنان على طريق الجولان؟ _ د. ليلى نقولا

الإثنين 10 آب , 2026 11:45 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
لم تكن الخريطة التي نشرتها وزارة الخارجية "الإسرائيلية" وأظهرت أجزاءً من جنوب لبنان ضمن "إسرائيل" حدثاً عادياً يمكن التعامل معه على أنه مجرد خطأ، فالخرائط في الصراعات ليست رسوماً بريئة، بل أدوات سياسية تعكس عادةّ تصورات الدول لحدودها ومجالات نفوذها المستقبلية.

ورغم كل ما يحصل على الأرض في جنوب لبنان، ما زال بعض اللبنانيين يعتقدون أن "إسرائيل" لا تسعى إلى احتلال جنوب لبنان أو البقاء فيه، وأن هدفها الحقيقي يقتصر على معالجة سلاح حزب الله وإبعاد التهديد عن حدودها الشمالية، لكن الوقائع الميدانية تقول شيئاً مختلفاً تماماً.

الأكيد أن ما تقوم به "إسرائيل" في الجنوب يتجاوز منطق العملية العسكرية المؤقتة؛ تهجير شامل ومنع العودة، وتدمير وجرف قرى بشكل كامل، وتغيير في شبكة الطرق والبنية التحتية، وتجريف القبور واقتلاع الزيتون وحرق الأحراج، بالإضافة الى إقامة مواقع عسكرية ثابتة ومحصنة، إضافة إلى استمرار منع عودة أعداد كبيرة من السكان إلى مناطقهم.

في التعامل مع "إسرائيل"، تقدم لنا فلسطين والجولان السوري نموذجاً لكيفية استخدام "إسرائيل" الوقائع الميدانية في إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية.. هنا بالضبط يجب أن يتذكر اللبنانيون دروس التاريخ.
لم يتحوّل الجولان السوري إلى واقع السيطرة "الإسرائيلية" الحالي بين ليلة وضحاها. البداية كانت سيطرة عسكرية بعد حرب 1967، ثم إدارة طويلة الأمد، ثم بناء مستوطنات وتوسيع الحضور المدني "الإسرائيلي"، وصولاً إلى فرض القانون والإدارة "الإسرائيلية" على المنطقة عام 1981. ومع أن غالبية المجتمع الدولي لا تزال تعتبر الجولان أرضاً سورية محتلة، فإن "إسرائيل" تمكنت عملياً من ترسيخ سيطرتها عليه على مدى عقود، واستطاعت أن تقنع الرئيس دونالد ترامب بالاعتراف بالسيادة "الإسرائيلية" عليه.

وما جرى في الضفة الغربية يقدم مثالاً آخر، فقبل الحديث عن أي مشاريع سياسية كبرى، كانت هناك مستوطنات وطرق وبنى تحتية ووقائع ميدانية تتوسع عاماً بعد عام، وفي النهاية أصبحت الجغرافيا نفسها عاملاً سياسياً يفرض معادلات جديدة على الجميع.

الوقائع على الأرض في الجنوب اللبناني باتت تفرض على اللبنانيين التنبه لئلا يتم تكريس الاحتلال تحت غطاء الخلاف الداخلي حول السلاح والمفاوضات وغيرها من الأمور التي ينقسم حولها اللبنانيون.

الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الاحتلال العسكري، بل في اعتياد الناس عليه، والمشاريع التوسعية لا تبدأ عادة بإعلان الضم، بل تبدأ بتحويل الوجود المؤقت إلى وجود دائم، وتحويل الاستثناء إلى أمر مألوف، وتحويل الأراضي المحتلة إلى مناطق تبدو مع مرور الوقت وكأنها خرجت من محيطها الطبيعي.

ولا يقاس سلوك الدول بما تقوله فقط، بل بما تفعله، فكيف إذا كانت "إسرائيل" تقول وتفعل؟ قال المسؤولون "الإسرائيليون" مراراً إنهم لا ينوون الانسحاب، وعندما تترافق هذه التصريحات مع التدمير المنهجي، ومنع العودة، وإنشاء البنى العسكرية الثابتة، ورسم الخرائط الجديدة، نصبح أمام محاولة "اسرائيلية" لإنتاج واقع شبيه بما عرفته أراضٍ عربية أخرى.

في النتيجة، إن الانقسام الداخلي السياسي يجب ألا يمنع اللبنانيين من رؤية أن "إسرائيل" تسعى إلى سيناريو قامت بتجربته سابقاً: تثبيت سيطرة طويلة الأمد، ثم تحويل هذه السيطرة إلى أمر واقع يعتاد عليه المجتمع الدولي تدريجياً، ثم الانتقال مستقبلاً إلى مراحل سياسية أو قانونية أكثر تقدماً. وعليه، فإن كل الإنشائيات حول سيادة لبنان والوعود بالحديث عن الحدود الدولية في مسار المفاوضات الجاري حالياً قد تفقد قيمتها إذا كانت الوقائع على الأرض تسير في اتجاه مختلف. أخطر الاحتلالات ليست تلك التي تُفرض بالقوة فقط، بل تلك التي تتحول مع الوقت إلى واقع معتاد.

ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس انتظار إعلان رسمي بالضم حتى يبدأ القلق، بل الانتباه إلى الوقائع التي تُصنع على الأرض، لأن التاريخ يعلمنا أن الخرائط كثيراً ما تأتي في نهاية المسار، لا في بدايته... وقد أظهر "الإسرائيلي" الخريطة.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل