نتنياهو يتحدى ترامب: لا للمرحلة الثانية من خطة غزة ـ محمد دياب

الإثنين 10 آب , 2026 10:52 توقيت بيروت أقلام الثبات

خاص الثبات

يريد بنيامين نتنياهو أن يظهر أمام مجتمع اليمين الإسرائيلي بمظهر الرجل القادر على تحدي القرارات الأمريكية، ورفض ما لا ينسجم منها مع السياسات والمصالح الإسرائيلية، حتى عندما تأتي هذه القرارات من إدارة الرئيس دونالد ترامب.

ومن هذا المنطلق يمكن فهم إعلانه رفض خطة المرحلة الثانية المتعلقة بقطاع غزة، والتي حظيت بدعم مجلس السلام والوسطاء، ووافقت عليها الفصائل الفلسطينية، كما أعلن ترامب دعمه لها.

لكن المسألة هنا لا تتعلق فقط بخلاف سياسي بين واشنطن وتل أبيب حول مستقبل غزة، ولا تعكس بالضرورة امتلاك إسرائيل القدرة على مواجهة الولايات المتحدة أو رفض إرادتها بلا تبعات. المسألة الأهم هي أن نتنياهو يدرك جيدًا حدود الضغط الأمريكي عليه، ويعرف أن الإدارة الأمريكية لم تستخدم حتى الآن أدوات ضغط جدية لإجباره على القبول بما لا يريده. وهذا تحديدًا ما يمنحه هامشًا واسعًا للمناورة.

نتنياهو يلعب على الوقت

بالنسبة إلى نتنياهو، الوقت ليس تفصيلًا هامشيًا. فهو يدخل مرحلة سياسية شديدة الحساسية، فيما تقترب انتخابات الكنيست المقررة في أكتوبر، ويحتاج إلى الحفاظ على صورته أمام جمهور اليمين باعتباره السياسي الذي لا يخضع للضغوط الخارجية، ولا يسمح لواشنطن، مهما كانت قوتها، بأن تفرض على إسرائيل ما تراه مخالفًا لمصالحها.

وهنا تتحول العلاقة مع الإدارة الأمريكية إلى جزء من المعركة الانتخابية الداخلية.

فكلما بدا نتنياهو أكثر قدرة على الوقوف في وجه واشنطن، استطاع تقديم نفسه لجمهور اليمين باعتباره الرجل الذي يحمي المصالح الإسرائيلية، حتى لو كان الثمن تعطيل تفاهمات أو خطط تحظى بتأييد أمريكي.

وبذلك، فإن رفض المرحلة الثانية من خطة غزة لا يمكن فصله عن الحسابات السياسية الداخلية لنتنياهو.

إنه لا يريد فقط أن يفاوض الأمريكيين؛ بل يريد أيضًا أن يثبت للإسرائيليين أنه قادر على رفضهم عندما يعتقد أن ذلك يخدم موقعه السياسي.

المشكلة ليست في قوة نتنياهو

قد يبدو المشهد للوهلة الأولى وكأن نتنياهو يمتلك قدرة هائلة على تحدي الإدارة الأمريكية. لكن هذه القراءة تتجاهل عاملًا أساسيًا: القوة لا تُقاس فقط بما يستطيع الطرف الآخر فعله، وإنما أيضًا بما إذا كان مستعدًا لاستخدام أدوات الضغط التي يمتلكها.

الولايات المتحدة تملك أوراقًا سياسية ودبلوماسية وعسكرية واقتصادية كبيرة تجاه إسرائيل. لكن امتلاك أدوات الضغط شيء، واستخدامها شيء آخر.

وحتى الآن، لم يظهر أن الإدارة الأمريكية قررت الانتقال من سياسة الضغط الكلامي أو السياسي المحدود إلى ممارسة ضغط حقيقي يمكن أن يجعل نتنياهو يدفع ثمن رفضه.

وهذا هو مصدر القوة الفعلية التي يستند إليها نتنياهو في هذه المرحلة.

هو لا يتحدى الولايات المتحدة لأنه يعتقد أن إسرائيل تستطيع الاستغناء عنها، وإنما لأنه يدرك أن كلفة تحديها، حتى الآن، ليست مرتفعة بما يكفي لردعه.

واشنطن تمنحه المساحة

كلما غابت الضغوط الأمريكية الجادة، اتسعت مساحة المناورة أمام نتنياهو.

فإذا كان بإمكانه رفض خطة تدعمها واشنطن، ثم الاستمرار في الحصول على الدعم السياسي والعسكري والاستراتيجي الأمريكي، فما الذي سيدفعه إلى التراجع؟ هذه هي النقطة الأكثر أهمية في المشهد.

فالرسائل الأمريكية وحدها لا تكفي لتغيير حسابات نتنياهو. التصريحات والاتصالات والاعتراضات الدبلوماسية يمكن أن تعبر عن عدم الرضا، لكنها لا تعني بالضرورة وجود سياسة ضغط حقيقية.

ونتنياهو، بحكم خبرته الطويلة في التعامل مع الإدارات الأمريكية، يعرف الفرق جيدًا بين الولايات المتحدة التي تعترض، والولايات المتحدة التي تضغط.

وما دام يرى أن واشنطن لم تنتقل إلى المرحلة الثانية، فمن الطبيعي أن يستمر هو أيضًا في سياسة اختبار الحدود.

غزة في الحسابات الإسرائيلية الداخلية

الأخطر أن تتحول قضية غزة، بما تحمله من أبعاد إنسانية وسياسية وأمنية بالغة الحساسية، إلى أداة في الحسابات الانتخابية الإسرائيلية.

فنتنياهو يحتاج إلى مخاطبة أكثر من جمهور في الوقت نفسه. يحتاج إلى الحفاظ على علاقته بواشنطن، لكنه يحتاج أيضًا إلى طمأنة اليمين الإسرائيلي بأنه لا يقدم تنازلات تحت الضغط الأمريكي.

وهنا يصبح التشدد السياسي مفيدًا له انتخابيًا.

فكلما استطاع تصوير نفسه باعتباره الرجل الذي يقول لواشنطن: لا، كلما عزز صورته لدى قطاعات من اليمين الإسرائيلي بوصفه قائدًا لا يتنازل ولا يخضع.

ولا يعني ذلك أن كل قرارات نتنياهو تُتخذ لأسباب انتخابية فقط، لكن من الصعب تجاهل العامل الانتخابي في هذه المرحلة، خصوصًا مع اقتراب موعد الانتخابات.

حتى أكتوبر.. مساحة للمناورة

لذلك، قد يكون الرهان الحقيقي لنتنياهو هو الوصول إلى الانتخابات بأكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية، من دون الدخول في مواجهة مفتوحة مع واشنطن.

هو يريد أن يرفض ما يحتاج إلى رفضه أمام جمهوره، وأن يترك في الوقت نفسه باب التفاوض مفتوحًا مع الإدارة الأمريكية.

وهذه لعبة دقيقة: تحدٍّ محسوب، لا قطيعة؛ ورفض تكتيكي، لا مواجهة شاملة.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: هل تستطيع إسرائيل تحدي الولايات المتحدة؟

بل: إلى أي حد ستسمح واشنطن لنتنياهو بأن يتحدى قراراتها دون أن يدفع ثمنًا سياسيًا حقيقيًا؟

حتى الآن، يبدو أن الإجابة تمنحه هامشًا واسعًا.

المعركة الحقيقية في واشنطن وتل أبيب معًا

في النهاية، نتنياهو لا يخوض معركة واحدة.

هناك معركة غزة، ومعركة علاقته بواشنطن، ومعركة بقائه السياسي في إسرائيل.

وهو يحاول إدارة هذه الجبهات الثلاث في وقت واحد، مستفيدًا من حقيقة أن الإدارة الأمريكية لم تضع، حتى الآن، ثمنًا حقيقيًا لرفضه.

ولهذا، فإن رفض المرحلة الثانية من خطة غزة لا ينبغي أن يُقرأ فقط بوصفه موقفًا إسرائيليًا من الخطة، بل بوصفه أيضًا رسالة انتخابية إلى الداخل الإسرائيلي: نتنياهو يريد أن يقول لليمين إنه قادر على تحدي واشنطن، وإن القرار النهائي في القضايا الإسرائيلية لا يزال في تل أبيب، لا في البيت الأبيض.

لكن نجاح هذه اللعبة سيبقى مرتبطًا بموقف الإدارة الأمريكية.

فإذا استمرت واشنطن في الاكتفاء بالاعتراض دون ضغط، سيواصل نتنياهو اختبار حدودها، وربما يرفع سقف تحديه كلما اقتربت الانتخابات.

أما إذا قررت الإدارة الأمريكية أخيرًا استخدام أدوات الضغط التي تملكها، فستتغير الحسابات سريعًا.

حتى ذلك الحين، يبدو أن نتنياهو يراهن على شيء واحد: أن حاجته إلى إرضاء اليمين الإسرائيلي قبل الانتخابات أكبر من حاجته إلى إرضاء واشنطن، وأن الأخيرة لن تدفعه، حتى الآن، إلى تغيير حساباته.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل