أقلام الثبات
الأميركيون ربما لم يقرأوا جيداً كتاب "الحالة الخطيرة لدونالد ترامب" The Dangerous Case of Donald Trump بأقلام 27 طبيب نفسي، أن هذا الرجل غير صالح للحُكم، وحركة "لا ملوك" No Kings تستدعيه الآن من جبهات حروبه المجنونة، للمواجهة في الشارع عبر ثلاثة آلاف فعالية جماهيرية في مختلف الولايات.
هذا الكتاب نشرته الطبيبة النفسية الأميركية "باندي لي" Bandy Lee عام 2017، بعد مرور سنة من بدء ولاية ترامب الأولى، وحرصت على تضمينه دراسات ومقالات لزملاء لها في مجالات علم النفس حول شخصية هذا الرئيس، وحين تُنهي قراءة هذا الكتاب، لا يشغلك فقط ما قاله هؤلاء الأطباء السبعة والعشرون، بل تشغلك تلك المنطقة الشائكة التي قرروا اقتحامها بوعي كامل.
لقد وضعوا "قاعدة غولدووتر" خلف ظهورهم، تلك القاعدة التي هي صمام أمان أخلاقي يمنع التشخيص عن بُعد، لكنهم تناولوا "النرجسية" كسِمَة شخصية قد توجد في الكثير من القادة، مقابل "النرجسية الخبيثة" التي وصفوها بأنها مزيج مدمِّر من السَّادية، وعدم القدرة على الشعور بالذنب، والميل الفطري لتدمير المؤسسات التي لا تخدم الأنا المتضخمة، والكتاب لا يتحدث عن "تضارب آراء" سياسي، بل عن خلل في كبح الجماح لدى رجل يرى في القوانين مجرد عوائق شخصية، وفي المعارضين أعداءً يجب سحقهم.
ولعل أهم نقطة أجمع عليها هؤلاء الأكاديميون، هي انتقال الفكر الفوضوي والتأقلم مع الاضطراب من "القائد" إلى الجماهير، عبر ما يسمونه "العدوى النفسية". ويصف الكتاب بدقة، كيف تتحول لغة القائد المليئة بجنون العظمة إلى وقود يشعل الغضب في الشارع، وكأن المجتمع بأكمله بدأ يستعير ملامح هذه الشخصية القلقة. إنها عملية "تطبيع" للاضطراب، حيث يصبح غير المنطقي منطقياً، وتتحول الفوضى إلى منهج عمل يومي.
المثير للقلق فعلاً ليس في تشخيص الماضي، بل في استشراف المستقبل الذي وضعه الكتاب. هؤلاء الخبراء لم يكتفوا برصد السلوك، بل حذروا من لحظات "الضغط القصوى" التي قد تدفع شخصية بهذا التكوين إلى قرارات انتحارية أو صدامات كارثية لترميم صورتها المهتزة.
أكثر من تسع سنوات مضت على صدور الكتاب المذكور، الذي يُفترض أنه أصبح ملحق السيرة الذاتية لشخص دونالد ترامب، لكن الرجل بطبعه كاذب بوظيفة تاجر، وباع الأميركيين سمكاً في البحر خلال حملة ولايته الثانية، التي لم يفز بها بقوة ماضيه، بل بضعف فريق جو بايدن ومن بعده كمالا هاريس.
حركة "لا ملوك" ليست حديثة، ورفض المَلكِيَّة ليس أمراً جديداً على الشعب الأميركي، بل هو مقترن بتاريخ الاستقلال ونهاية حكم جورج الثالث آخر ملك من بريطانيا العظمى، الذي انتهى خلال الثورة عام 1776، واعتبر الأميركيون يومذاك أن المَلِك، أيّ مَلِك، هو رمز الطغيان، وبنوا ثقافتهم الديمقراطية على هذا الأساس.
وقد مرَّ على الأميركيين رؤساء تجاوزوا حدود صلاحياتهم بعض الأحيان، نتيجة الظروف التي عاشتها البلاد، وتمَّت تسميتهم "الرؤساء الملوك" بالنظر الى إنجازاتهم العظيمة، وأبرزهم على الإطلاق هم أبراهام لينكولن، جورج واشنطن وفرانكلين روزفلت، لكن هذا لا يعني أن من حق أي رئيس اعتبار نفسه "الرئيس الملك"، والدكتاتور الذي بكل بساطة يعلن حرباً بقرار آحادي ويدير ظهره للكونغرس بمجلسيه، النواب والشيوخ.
ومع نزول الشعب الأميركي إلى الشارع بالملايين في عشرات المدن الكبرى ضمن نحو ثلاثين ولاية، فإن مطالبهم لا تقتصر على رفض غلاء أسعار المواد الاستهلاكية وارتفاع أسعار الوقود، بل لأنهم رأوا أنفسهم كدافعي ضرائب وقوداً لمغامرات ترامب في الشرق الأوسط، وأنه أحرق المليارات التي من حق الشعب الأميركي لإحراق الشعب الإيراني الذي لم يشكل في يوم من الأيام خطراً على أميركا، وأن ترامب اشترى عداوة ليس فقط بالمليارات التي تحترق بالمسيرات والصواريخ الإيرانية، بل بالهيبة الأميركية التي غرقت في مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب.
ومع تحوُّل المظاهرات الشعبية العفوية الى ما تشبه الانتفاضة في قلب واشنطن لعزل ترامب، وقَّع أكثر من 250 ألف أميركي عريضة رسمية تطالب الكونغرس ببدء إجراءات العـزل فوراً، مع تصاعد الغضب الشعبي ضد سياساته التي جرت البلاد إلى مواجـهة خاسرة، واستنزفت هيبة الجيش في الميدان.
وتأتي هذه الحركة الاحتجاجية الواسعة لتعمق حالة الانقسام الداخلي وتكشف هشاشة الجبهة السياسية لواشنطن، التي باتت عاجزة عن ضبط شارعها المشتعل في وقت تتلقى فيه أساطيلها وقواعدها ضربات سيادية قاصمة، وأن إيران المحاصرة والمستهدفة ظلماً، نجحت في نقل معركة الإرادات إلى قلب المؤسسات الأميركية المتهـالكة.
قد لا يسقط رئيس أميركي في الشارع ولكن، الانتخابات النصفية قادمة في تشرين الثاني المقبل، وقد تسقط الأغلبية من أيدي الجمهوريين لصالح الحزب الديمقراطي، ويمضي ترامب السنتين الباقيتين من عهده تحت مطرقة الشعب وسندان الحزب الخصم، وكما غرَّدت ماري ترامب؛ ابنة شقيق الرئيس: "كان يعمل لإسقاط النظام في إيران، ويبدو أنه سيُسقط النظام في أميركا"...
لا تخافوا.. التوغل "الإسرائيلي" سيكون بوابة الانتصار _ د. نسيب حطيط
"مضيق ترامب".. الحساسية المفرطة في السياسية الإيرانية ــ د. ليلى نقولا
المسيحيون ضحايا الصهيونية والتكفيريين.. وبعضِ قادتهم _ د. نسيب حطيط