"مضيق ترامب".. الحساسية المفرطة في السياسية الإيرانية ــ د. ليلى نقولا

الإثنين 30 آذار , 2026 09:38 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

في تصريحات لافتة، وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب مضيق هرمز بـ"مضيق ترامب". ورغم أن الجانب الإيراني الرسمي آثر عدم التعليق على هذا التصريح، إلا أن القراءة المتأنية للسلوك السياسي الإيراني تُشير إلى أن إيران لديها حساسية مفرطة على الأسماء، وتنظر إلى "التسميات الجغرافية" كجزء لا يتجزأ من مفهوم السيادة والأمن القومي، وليست مجرد لفظ أو استعراض خطابي.

لفهم الحساسية الإيرانية تجاه أي تلاعب بالمسميات في المنطقة، لا بد من الإشارة إلى الحساسية الايرانية التاريخية حول تسمية "الخليج". تتمسك إيران بمصطلح "الخليج الفارسي" وتقيم المؤتمرات لذلك، وتقدم على الاحتجاج الرمسي لكل من يستخدم تسمية غير الخليج الفارسي. تستند إيران إلى إرث الخرائط الكلاسيكي الذي وثّقه اليونانيون (هيرودوت) والعرب والمسلمون (الإدريسي وابن خلدون) عبر القرون، والى الموقف القانوني الدولي حيث لا تزال الأمم المتحدة تعتمد هذه التسمية في وثائقها الرسمية بناءً على مذكرات قانونية وفنية (آخرها عام 2006).

في المقابل، ترى الدول العربية أن "الخليج العربي" هو التسمية التي تعكس الواقع الجغرافي والسكاني للضفة الغربية، وقد بدأت هذه التسمية تظهر الى العلن مع ارتفاع القومية العربية في الستينات من القرن العشرين.

وعليه، بالرغم من الصمت الإيراني حيال وصف ترامب للمضيق بأنه مضيق ترامب، يمكننا تحليل النظرة الإيرانية لهذا التوجه من خلال ثلاثة أبعاد:
1.    ينظر العقل السياسي في طهران إلى تسمية "مضيق ترامب" كنوع من الاستلاب الجغرافي. فإذا كانت إيران تخوض معارك ديبلوماسية لمنع تغيير تسمية "الخليج الفارسي"، فإنها بالضرورة ترى في تغيير تسمية مضيق هرمز لصالح رئيس أميركي ذروة الاستفزاز "والاستكبار" الذي يحاول شطب الهوية التاريخية للمنطقة وفرض وصاية أحادية عليها.
2.    يمثل مضيق هرمز بالنسبة لإيران "الرئة الإستراتيجية" وعصب الأمن القومي. لذا، فإن "زلة لسان ترامب" تُفسر كاستباق لمحاولة احتلال وتكريس نفوذ أميركي على ممر مائي تطل عليه إيران مباشرة وتعتبر نفسها حارسته الطبيعية.

3.    يُتوقع أن يتم توظيف هذا التصريح داخلياً لتعزيز الحسّ القومي الايراني للقول إن هذه الحرب ليست حرباً على النظام بل على إيران كدولة، وعلى تاريخها وهويتها وارثها التاريخي والحضاري.

النتيجة أنه في العلاقات الدولية، تظل التسميات هي التعبير الأول عن مراكز القوى؛ ومن يمتلك القدرة على "تسمية" المكان، يسعى ضمنياً لامتلاك القدرة على "إدارته" و"السيطرة" عليه، وهو ما يفسر لماذا تظل التسميات، رغم بساطتها الظاهرية، محركاً أساسياً للأزمات الديبلوماسية في المنطقة.

وبالتالي، إن التعامل مع الجغرافيا في منطقة الشرق الأوسط لا ينفصل عن صراع الهويات والصراع على النفوذ. وإذا كان ترامب قد استخدم المصطلح في سياق "التسويق" السياسي الشخصي، فإن تداعياته في إيران تذهب إلى أبعد من ذلك؛ والأكيد ستُصنف ضمن "العدوان الرمزي" الذي يستهدف الهوية القومية الايرانية.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل