"إسرائيل" تبحث عن الأمن القومي المفقود _ أمين أبوراشد

الخميس 06 آب , 2026 04:39 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

نظّم "معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي" (INSS) مؤتمره السنوي، يوم 27 تموز 2026، تحت عنوان "العصر الأمني الجديد لـ"إسرائيل". جَمَع المؤتمر نخبة القيادات السياسية والعسكرية والأمنية والأكاديمية، لمناقشة التحوّلات التي طرأت على "إسرائيل" في ظل المواجهة مع إيران وحلفائها، واستمرار الحرب في قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان.

وعرض المؤتمر نتائج مؤشر التهديدات التي لم تعرفها "إسرائيل" من قبل، بعد ثلاث سنوات من الحروب التي تلت عملية "السابع من أكتوبر"، وتوصَّل إلى أن "إسرائيل" تواجه أربعة عشر تهديداً خطيراً، أبرزها إيران وحزب الله والداخل الفلسطيني، إضافة إلى انحسار التأييد في الشارع الأميركي، وسلبيات صورة "إسرائيل" الدولية التي باتت مُشوَّهة، وتراجع حظوظ التطبيع مع بعض العرب.

وتداول المؤتمرون مجمل التهديدات التي قد تواجه "إسرائيل" خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة، مع تقدير الموقف الذي عرضه تامير هايمان؛ رئيس المعهد والرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، وأبدوا تفهماً للمخاوف التي كشف عنها، سيما وأن "إسرائيل" تواجه شبكة مترابطة من التهديدات الداخلية والإقليمية والدولية، بحيث يؤدي ضعف أي عنصر من عناصر قوتها إلى تفاقم بقية المخاطر، وأن تراجع الوحدة الداخلية يُضعف قدرة المجتمع على الصمود، وانحسار الدعم الدولي يُقلِّص قدرة "إسرائيل" على إدارة الحروب والحصول على السلاح والغطاء السياسي، فيما تحدُّ الضغوط الاقتصادية والاجتماعية من قدرة الجيش والدولة على مواصلة القتال.

هذا المؤتمر الذي اعتمد في دراساته على الجمع بين تقديرات الخبراء وآراء الشارع الشعبي، سبقه نشاط باحثين أجروا مقابلات واستطلاعات مع نحو 150 خبيرًا وخبيرة، إلى جانب دبلوماسيين أجانب وسياسيين وقادة ينتمون إلى فئات مختلفة من المجتمع "الإسرائيلي".
وبعد تحديد أبرز أربعة عشر تهديداً، تم عقد المؤتمر لبحثها وأهمها:
1) التهديدات الداخلية:
صنَّفت الدراسة هذ التهديدات كما يلي:
- تراجع الطابع الديمقراطي للدولة، والإنقسام العرقي والديني الذي بلغ حدود المواجهة خصوصاً في مسألة رفض "الحريديم" الالتحاق بالجيش والانغماس في مؤسسات "الدولة"، مما يُضعف القدرة على الصمود، وينعكس سلباً على المؤسسات ويؤدي الى انخفاض الثقة بها.
- القضية الفلسطينية ومخاوف التحوُّل إلى دولة ثنائية القومية، وتناولت النقاشات هذه القضية بوصفها مصدرًا لـتهديد طويل الأمد، ودرست عدة خيارات دون اتخاذ أي قرار نهائي بها وهي: ضم الأراضي من دون منح الفلسطينيين حقوقًا سياسية متساوية، أو إقامة دولة فلسطينية، أو التحوُّل إلى دولة ثنائية القومية، وأظهرت النتائج وجود قدر من التوافق على أن الدولة ثنائية القومية هي الخيار الأسوأ والأكثر تهديدًا لمستقبل "إسرائيل"، مع تسجيل عدم الارتياح لبقاء الوضع مع الفلسطينيين كما هو عليه الآن.
- التغيير الديمغرافي وتراجع الإنتاجية:
 بحث المؤتمرون بقلق التحوُّل في المجتمع "الإسرائيلي" نتيجة الحروب المتتالية والتهديدات المباشرة للمدنيين، وتقلُّص حجم الإنتاجية وضمور أعداد العاملين الذين يدفعون الضرائب ويخدمون في الجيش والاحتياط، في مقابل ازدياد الفئات التي تعتمد على موازنة الدولة ولا تتحمل القدر نفسه من الأعباء، إضافة إلى هجرة أصحاب المهارات والكفاءات العلمية والتكنولوجية.
2) التهديدات الخارجية:
صنّفت الدراسة التهديدات الإقليمية والدولية على النحو الآتي:
- تحوُّل إيران إلى دولة تمتلك سلاحاً نووياً، إلى جانب امتلاكها لبرامج مُستدامة في تطوير قدرات صواريخها الباليستية ومسيَّراتها، وتعاونها الواضح مع حلفاء إقليميين ودوليين لم يتوانوا عن دعمها في وسائل الرصد والدفاع. 
- تراجع الدعم الأميركي: اعتبرت الدراسات أن تراجع الدعم الأميركي يُعتبر ضمن التهديدات الاستراتيجية الخطيرة، لما كان يُوفِّره هذا الدعم من السلاح والذخائر، والدفاع عن "إسرائيل" داخل المؤسسات الدولية ودعمها اقتصادياً وسياسياً.
 
- الشرعية الخارجية: ثمة زيادة في القلق من العزلة الدولية وفقدان الشرعية الخارجية، حيث يرى الجمهور "الإسرائيلي" أن تراجع المكانة الدولية قد يحرم "إسرائيل" من المساندة العسكرية والسياسية، ويفتح الباب أمام العقوبات والمقاطعة والقيود الاقتصادية والقانونية.

ولعل أبرز مداخلات المؤتمر كانت لـ"تامير هامان"، الذي أدلى بقراءة وافية لنتائج المؤتمر، مؤكدًا أن الصورة "الإسرائيلية" تجمع بين إنجازات ميدانية ومخاطر متزايدة. ورأى أن "إسرائيل" تقف أمام واقع متحوِّل، وأن قيمة الإنجازات العسكرية تتوقف على قدرة القيادة على تحويلها إلى رؤية للأمن القومي، تشمل السياسة والاقتصاد والمجتمع والعلاقات الإقليمية والدولية. 
واعتبر "هايمان" أن الوقائع يمكن توظيفها لصياغة مستقبل مختلف، لكنها لا تنتج الأمن والاستقرار تلقائيًا، خصوصاً أن اندماج "إسرائيل" في الشرق الأوسط يشكل جزءاً من عقيدتها الأمنية، والتحالفات الإقليمية تساعد "إسرائيل" ودول المنطقة على مواجهة عدة تحديات، لكنه حذَّر من اتساع التصوُّر في دول الخليج ودول أخرى أن "إسرائيل" دولة تسعى إلى تعطيل المنطقة وتوسيع حدودها، وإبقاء الشرق الأوسط في حالة عدم استقرار للحفاظ على تفوُّقها.

في ضوء ذلك، رفض هايمان هذا التصور وأكد أن المصلحة "الإسرائيلية" تقوم على بناء شرق أوسط مستقر، تستطيع فيه توظيف قوتها العسكرية والتكنولوجية داخل شبكة تعاون وتحالفات، وأوضح أن الدول لن تدخل في شراكات أمنية واقتصادية عميقة مع "إسرائيل" ما دامت تشكك في نواياها، ودعا إلى البدء باتفاقات صغيرة وانتقالية، مثل اتفاق أمني مع سورية، وترتيب أمني أو سياسي مع لبنان، وخطوات تدريجية في الساحة الفلسطينية، ورأى أن هذه الخطوات يمكن أن تبني الثقة وتثبت للدول العربية أن "إسرائيل" لا تريد تقويض الحدود الإقليمية أو فرض هيمنة تستند إلى استمرار النزاعات.
مطالعة هايمان لا تعني أنه من الحمائم داخل المجتمع الصهيوني، بل هو قارئ أفضل من سواه لنتائج المواجهة مع إيران وحلفائها، وبات يرصد الخطر الوجودي أكثر من الآخرين بعيداً عن الغطرسة الفارغة لبنيامين نتانياهو، وبعيداً عن بلاهة المستوطنين الذين يتسللون أحياناً إلى القرى اللبنانية المحتلة في جولات استكشافية، ويعلنون رغبتهم بإقامة مستوطنات على أنقاض هذه القرى، وهُم من حيث لا يدرون، لا مكان آمناً لهم على امتداد الخارطة اللبنانية، ولا أمنَ لهم في الداخل، طالما الشعب اللبناني نازح والشعب الفلسطيني غير آمن ضمن دولته.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل