تدمير القرى... إقرارٌ "إسرائيلي" بالانسحاب المحتوم _ د. نسيب حطيط

الأربعاء 05 آب , 2026 03:20 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
يكرّر العدو "الإسرائيلي" تجربته الثالثة لإقامة حزام أمني في الجنوب، بعدما استطاع في اجتياح عام 1978 إقامة الشريط الحدودي وتأسيس "دولة لبنان الحر" وجيش عميل بقيادة سعد حداد، ثم وسّع شريطه الأمني بعد اجتياح عام 1982 واحتل العاصمة بيروت، ونصّب نظاماً سياسياً موالياً برئاسة بشير الجميل، وفرض اتفاق 17 أيار، وطرد المقاومة الفلسطينية بصفتها مقاومة لاجئة، لكن هاتين التجربتين قد فشلتا على الرغم من كل الخسائر التي أصابت اللبنانيين، خصوصاً أهل الجنوب والشيعة، واستطاع المقاومون اللبنانيون تحرير الأرض بعد انتظار طويل للقرارات الدولية او العربية او اللبنانية.
يعتقد العدو "الإسرائيلي" حد اليقين أنه لن يستطيع احتلال جنوب الليطاني إلى الأبد، ولن يستطيع إقامة المستوطنات فيه ولا الأمان لجيشه ، فيتصرف على أساس أنه سينسحب حتماً وأن أهل القرى سيعودون، فيعمل على تجريف القرى وتدميرها وكل مظاهر الحياة والهوية الثقافية والدينية خلاف ما فعله بعد احتلال فلسطين التي لم يهدم مدنها ومنشآتها بل صادرها واستعملها، وكذلك في الاجتياحين السابقين اللذّين اعتقد انه باقٍ في لبنان وذلك لتحقيق ثلاثة أهداف:
حقن عقول أهل المقاومة باليأس وإقناعهم بأن عودتهم مستحيلة وعليهم سكن بديل في مناطق بعيدة عن الحدود.
تثبيت ثقافة عبثية المقاومة كخيار لتحرير الأرض أو الدفاع، لعدم قدرتها على الانتصار أو الصمود أمام الجيش "الإسرائيلي" الذي "لا يقهر"، وأن بعض الانتصارات التي حققتها كانت ظرفية أو بالصدفة، وأن "إسرائيل" قادرة على محوها فرض أثمان كبيرة على المقاومين وأهلهم، لعزل المقاومين وتحميلهم مسؤولية الخسائر بسبب خياراتهم الخاطئة.
تأخير عودة السكان إلى القرى، والتي ستكون "حتميةً" عاجلاً أم أجلاً؛ وفق قدرة المقاومة على إنهاك العدو لدفعه للانسحاب كما انسحب عام 2000، بالإضافة إلى حاجة الناس بعد عودتهم لسنوات لتتمكن من إعادة الإعمار ثم السكن، بما لا يقل عن 10سنوات وفق التخطيط "الإسرائيلي" وهذا ما تحتاجه "إسرائيل" لتهدئة جبهة لبنان، لتثبيت مشروعها "إسرائيل الكبرى".
يكرّر قادة العدو "الإسرائيلي" عسكريون وسياسيون قرارهم بمنع عودة الأهالي سواء بالمفاوضات أو بالقوة، بسبب تجاربهم السابقة، حيث كان الناس يصلون إلى بيوتهم بعد دقائق من انسحاب الاحتلال، وحيثما  يتواجد الناس يكون المقاومون، فلا مقاومين بلا قرى مأهولة، لأن المقاومين هم أبناء القرى وليسوا مقاومة لاجئة أو نازحة أو من المرتزقة، ولهذا فإن العدو "الإسرائيلي" يطالب في مفاوضات "اتفاق الإطار" - الذي يتم تنفيذه ولو انكر البعض وجوده - بفرض لائحة بأسماء المقاومين الذين يُمنع عليهم العودة إلى بيوتهم حتى في القرى المحاذية للقرى المدمرة، وتفرض "إسرائيل" على الجيش اللبناني تنفيذ هذا "إبعاد المقاومين "عن عائلاتهم في وطنهم.
يعتبر العدو "الإسرائيلي" ان اهل المقاومة هم الخطر الأساسي الذي يهدد أمنه، وأنهم سلاح الدفاع الأساسي الذي يمنع الاحتلال "الإسرائيلي" وليست الدولة المتآمرة ولا القرارات الدولية العاجزة أو المتواطئة  ولا الصواريخ الدقيقة أو المسيرات، ولذا يستهدف المدنيين  بالقتل والمجازر والتهجير وتدمير بيوتهم وارزاقهم، لأنهم البحر الذي تبحر فيه قوارب المقاومين فإن انهزم الناس أو تراجعوا عن عقيدتهم  وثقافتهم المقاومة، فلن تبقى مقاومة ولا مقاومون لا في الميدان ولا في السياسة، ولهذا تم استهداف "الجناح الأهلي المقاوم" قبل المقاومين في الميدان فسرقت الدولة والمصارف بالتعاون مع المسؤولين من وزراء ونواب وحزبيين ودائعهم ثم الحصار والإذلال والتنمّر والتهجير، لينقلب الناس على أنفسهم وعقائدهم ويتبرؤوا من المقاومة، لتصبح المقاومة جماعة لاجئة ونازحة وغريبة في مجتمعها، فتسقط تلقائياً دون الحاجة لاجتياح  او حرب.
المهمة والواجب الأساسي للمقاومين حفظ أهلهم المقاومين في معيشتهم، وكرامتهم، ومعنوياتهم، لأنهم السلاح الذي لا يمكن مصادرته أو نزعه، وهو سلاح نادر في هذه الأمة التي نامت شعوبها ورضيت بحياة الأكل والنوم والشراب، بينما أظهر أهل المقاومة في لبنان صموداً استثنائياً وصبراً وشجاعة وثباتاً على المبادئ.
لن تنهزم المقاومة إذا خسرت أنفاقها ومنشآتها وسلاحها الصاروخي وغيره، لكنها ستنهزم إذا خسرت أهلها... وعليها المبادرة لحمايتهم وتأمين حاجاتهم وأن تكون "بارّة" بأهلها.
تظن "إسرائيل" أن بإمكانها هزيمة المقاومة (كاسم أو تنظيم)، لكن الواقع يؤكد أنها لا تستطيع هزيمة الفكر المقاوم، وستولد مقاومة جديدة من رحم المقاومة السابقة وفق الوعد الإلهي {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}.
لا تحزنوا ولا تيأسوا، ستنسحب "إسرائيل" حتماً، كما انسحبت سابقاً... بسواعد المقاومين وصبر واحتضان أهلهم، وسيعود أهلنا إلى قراهم عاجلاً أم أجلاً.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل