السلاح "وثيقة ملكية وجودية".. وليس أداةً للتغلّب الداخلي _ د. نسيب حطيط

الجمعة 27 آذار , 2026 04:16 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
المشكلة الأساسية التي تواجه المقاومة وأهلها تتمثّل في عدم فهم المسؤولين وبعض القوى السياسية والطائفية اللبنانية لدور السلاح وقيمته بالنسبة للمقاومة وأهلها، خصوصاً الطائفة الشيعية التي عانت من العدوان "الإسرائيلي" أكثر من 70 عامًا، فيعتقدون أن السلاح سيمنح الشيعة نفوذًا سياسيًا وأرجحية، وحق "الفيتو" في القرار الوطني، مما يخلّ بالتوازن الطائفي ويحد من الاستئثار وتقاسم السلطة من الثنائية (السنية - المارونية)، ليتحول المشهد إلى ثلاثية حاكمة (سنية - شيعية -مارونية) مع دور متحرّك للدروز، لكن الشيعة خلاف ذلك؛ لم يشتروا السلاح للتغلب والصراع الداخلي الذي لا يحتاج الى صواريخ دقيقة ومسيّرات، ولعدم وجود خصومة مع اغلبية اللبنانيين ماعدا فصيل عميل  وغبي، ولا يحتاج ردعه إلى كثير من العناء.
لا ينظر الشيعة إلى السلاح كأداة للحرب والدفاع وردع على العدوان فحسب، بل هو بمنزلة "وثيقة ملكية وجودية"، وعندما يتخلون عنه طواعية أو نزعاً بالقوة سيخسرون عقيدتهم وأرضهم؛ استنادًا إلى تجاربهم التاريخية الممتدة 1400 عام، حيث عاشوا  مُطاردين من قبل جميع الحكام والمُستعمرين، وآخرهم الاحتلال الإسرائيلي الذي تحكم بمصيرهم وحياتهم اليومية عندما كانوا بلا سلاح ،بينما عاش بقية اللبنانيين في أمان واستقرار وبدأت محنتهم ونكبتهم منذ النكبة الفلسطينية وعاشوا ضحايا القصف الاجتياحات الإسرائيلية والاحتلال الذي دام أكثر من 22 عامًا لجنوب لبنان، فكانوا شهداء وأسرى ومهجّرون ومبعدون بعدما "هجرتهم" وتنازلت الدولة عنهم، كما تحاول الان  بيعهم والهرولة للتطبيع والاستسلام للعدو ومنحه هدايا مجانية لا يستطيع الحصول عليها بالقوة!
أن قرار الشيعة "بالتسلح" لم يكن خياراً طوعياً ،بل كان بحكم الضرورة والحاجة ،بعدما غابت الدولة الراعية والحامية، ووجد أهل الجنوب أنفسهم أمام خيارين، إما الاستسلام للقدر الإسرائيلي وإهمال الدولة وانتظار الموت، أو تأمين الحماية الذاتية على نفقتهم الخاصة. وأول سلاح مقاوم "بعقيدة دينية" تم شراؤه للدفاع عن الجنوب عند تأسيس أفواج المقاومة اللبنانية بقيادة الإمام موسى الصدر ، ، عبر مشروع "الليرة " الشهري ، لشراء السلاح وتحول السلاح من "درعٍ" لصد العدوان إلى "هويةٍ" سياسية واجتماعية وسببا في أعادة تعريف المواطنة وحق الدفاع عن النفس وتحرير الأرض وثبّتها اتفاق الطائف واعادت المقاومة مساحة لبنان 10452 مع مساحة إضافية من الكرامة ،بعدما حرّر المقاومون الجنوب عام 2000.
إن العدو "الإسرائيلي" هو الأكثر فهمًا ،لوظيفة  وقيمة السلاح الذي تحمله المقاومة والشيعة في لبنان؛ لأنه بنى كيانه وربط وجوده وبقاءه بالقوة العسكرية ويعرف دور السلاح بحفظ الوجود وكذلك الشيعة وبسبب  تجربتهم مع الاحتلال الإسرائيلي وتآمر وإهمال الدولة اللبنانية، فإنهم يعتقدون وبالدليل ان بقاءهم ووجودهم مرتبط بامتلاكهم القوة الرادعة  ولن يتنازلوا عن سلاحهم طالما بقي التهديد الإسرائيلي واهمال الدولة وعجزها مما يجعل للسلاح  - بعد العقيدة - دورًا أساسيًا في معركة صراع البقاء والوجود بين الشيعة والصهاينة، وقد أثبت فاعليته أثناء مقاومة الاحتلال وتحرير الأرض، وحرب تموز 2006، والآن في حرب 2026 الأسطورية.
إن السلاح المقاوم، قادرٌ على رد العدوان وتحقيق توازن الخسائر وتوازن الردع ومنع الاجتياح او الاحتلال الآمن  ، رغم كل التضحيات والخسائر التي لحقت بالطائفة الشيعية المقاومة  والتي تم تهجيرها للمرة الرابعة منذ اجتياح 1978 وتعرضت لنكبة اقتصادية فدمّرت اسرائيل  ما بناه الشيعة وما جمعوا من ارزاق طوال اكثر من خمسين عاما وما أعادوا تعميره اكثر من مرة ،ولأن السلاح المقاوم يؤلم إسرائيل ويهددها ويهينها ويرهقها عسكريا وتحاول ان تمحو من ذاكرتها انتصار المقاومة عليها ، فيمكن أن توقّع وقف إطلاق نار مع إيران أو أي دولة عربية وإسلامية، لكنها لن توقّع وقف إطلاق نار في لبنان وإن وقّعت لن  تلتزم به، إلا اذا كان السلاح حاضراً كما ألزمها بين العامين (2006 و2023). 
لن يسلّم الشيعة سلاحهم، دون وجود الحل البديل الموثوق والقادر على ردع إسرائيل وحماية لبنان والجنوب خاصة لأنهم لن يتنازلوا  عن أدوات حمايتهم، ولا يمكن أن يوقعوا على وثيقة تتنازل عن حقهم "الوجودي" وقد زاد تمسكهم  ،بالسلاح ،بعد الذي  لاقاه النازحون من طردٍ وتنمّر وعدوان وإهانات وتخلي الدولة عنهم وتطاول بعض الطائفيين والطحالب السياسية وبعدما خانهم وطنهم وتبرأ منهم ،فاضطروا لاعتماد (رقم سلاحهم بديلا عن رقم هويتهم الوطنية )، وبعدما وجدوا أنفسهم على مائدة اللئام الذين يناشدون إسرائيل والتكفيريين قتل الشيعة.
عندما يحكم العالم قانون القوة والتوحش ،فإن قانون البقاء وحفظ الوجود يفرض العمل وفق معادلة (انا مسلّح وقوي.. فأنا موجود)...وسيمنع هذا السلاح الشريف أن يكون لبنان "اسرائيلياً"، وستسقط حكومة التطبيع ولن يسقط السلاح.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل