أقلام الثبات
مسألة تجميد أصول وأموال الدول والمؤسسات والأفراد لدى الولايات المتحدة، تخضع لتقييم هي مَن وضعت معاييره، وأعطت لساكن البيت الأبيض حرية التصنيف، وهو الذي يَعتبر هذا "المُودِع" صديقاً أو عدواً، مُسالماً أو إرهابياً، وإذا لم تكن حكاية تجميد "الأموال الإيرانية" درساً في عدم أمانة الولايات المتحدة، فلماذا قررت فرنسا منذ أشهر استرداد كل ودائع الذهب التي تملكها في الخزائن الأميركية؟ والجواب: قرر الرئيس ماكرون أن لا يكون أحمقاً مع رئيس لا يؤتمن مثل ترامب، وقرر أيضاً أن لا يكون عبداً للسياسة الخارجية الأميركية كما هو حال معظم الدول، وفي طليعتها ممالك وإمارات الخليج.
لا لوم على الولايات المتحدة في إطار تجميد أو مصادرة الأموال لأن قوانينها واضحة، وتتضمن ما يلي:
يحق للولايات المتحدة تجميد الأموال وفق قوانينها الداخلية وصلاحيات الطوارئ، رغم أن هذه السياسة تُثير جدلاً كبيراً في القانون الدولي بين مبدأ سيادة الدول وقوة الأمر الواقع.
ويمنح قانون السلطات الاقتصادية الطارئة الرؤساء الأميركيين، صلاحيات واسعة لتجميد الأصول الأجنبية وفرض العقوبات، ويصدر قرار التجميد غالباً عبر أوامر تنفيذية رئاسية أو قرارات من وزارة الخزانة الأميركية، وتواجه قرارات التصرف النهائي أو المصادرة طعوناً مستمرة أمام القضاء الأميركي الذي يبتُّ بدستوريتها.
ولم تظهر فظاعة الإرتكابات المالية الأميركية قبل سبعينيات القرن الماضي، لكن بعدها، تبلورت الحقيقة مع ولادة "البترودولار"، وهو مصطلح اقتصادي لعائدات الدول النفطية مقابل بيع النفط الخام حصراً بالدولار الأميركي، مما شكَّل نظاماً مالياً عالمياً يربط تجارة الطاقة بالعملة الأميركية، فكانت تسمية "البترودولار" التي صاغها عالم الاقتصاد البروفيسور إبراهيم عويس لإظهار قوة وأهمية الترابط بين النفط والعملة الأميركية، ما يضمن طلباً عالمياً مستمراً وقوياً على الدولار الأمريكي باعتباره عملة الإحتياطي العالمي في إعادة التدوير، بحيث تعود تلك الأموال للاستثمار في الأصول والأسواق المالية الغربية للتجارة والاستثمارات وتبادل الخدمات.
ومع فورة دول الخليج النفطية، ازدهرت استثمارات الرساميل الخليجية في الداخل الأميركي، وتزاحمت الشركات الأميركية في المقابل لغزو عالم المال والأعمال في الخليج، وبعد قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، باتت هناك مزاحمة من نوعٍ آخر؛ إقامة قواعد أميركية في كل دول الخليج وصفقات أسلحة بمبالغ خيالية لمواجهة أي خطر إيراني على هذه الدول، بإخراج أميركي وحماقة أنظمة أقصى طموحاتها حماية العروش العائلية.
وحيث إن الدول الخليجية دفعت وقد تدفع المزيد من الأثمان لقاء "اسضافة" القواعد الأميركية على أراضيها نتيجة العدوان الأميركي الصهيوني على إيران، فإن بعض هذه الدول امتلكت قياداتها نسبة كبيرة من الحكمة، وعلى رأسها سلطنة عمان، التي التحقت بها كل من السعودية وقطر، فيما الكويت والبحرين تتحملان وزر قواعد تنطلق منها العمليات العدوانية اليومية على إيران، ليبقى النظام الإماراتي حائراً بين الإنبطاح المجاني للصهاينة حيناً، وملاطفة إيران معظم الأحيان، سيما أن الحرس الثوري الإيراني وسَّع من انتشاره خلال الأيام الماضية، لتطبيق الإقفال التام لمضيق هرمز، وبسط سيطرته من ساحل الفجيرة حتى شواطىء أم القيوين الإماراتيتين.
هنا نُذكِّر في عُجالة، أن إيران تكرر الإعلان بأن مضيق هرمز لغاية الآن ليس مغلقاً سوى في وجه سفن المعتدين والدول المتعاونة معهم، لكنها استطاعت لفترة أن تفرض على السفن شرط العبور بأن تدفع ثمن حمولتها بالـ"يوان الصيني" بهدف كسر آحادية الدولار، وقد سبقتها روسيا في هذا الإجراء عندما فرضت على الدول الأوروبية التي احتاجت الغاز الروسي منذ بضع سنوات أن تدفع بالـ"روبل الروسي"، وهذا النوع من الخطط لا بد أنه بداية استغناء الأسواق عن الدولار الأميركي الذي قد تحتاجه أميركا أكثر من سواها لتسديد ديونها التي فاقت ال33 تريليون دولار، ولم يعد نظامها الذي يرتبط بمزاجية الرئيس جاذباً للاستثمارات والودائع، ولا حاكماً لاقتصادات العالم.
حرب ومفاوضات.. استنزاف حتى السقوط في الحفرة _ يونس عودة
"إسرائيل".. وحربُ كسرِ الإرادةِ ومحوِ هوية المجتمع المقاوم _ د. نسيب حطيط
"خبراء" أوكران في الساحل السوري... ما دورهم؟ وماذا ينتظرون ؟ _ حسان الحسن