أقلام الثبات
لم تتراجع رياح الحرب الاميركية - "الاسرائيلية" على إيران والمنطقة، رغم اعلان الرئيس الاميركي التراجع عن تهديداته بضريات ساحقة و"إعادة الإيرانيين إلى العصر الحجري" قبيل موعد التنفيذ المفترض بسويعات.
يبدو ان النموذج الاميركي الجديد الذي يمثله الرئيس دونالد ترامب، وهو الاكثر استعراضية على مسارح السياسات الاميركية الدموية، سيطبع المرحلة المتبقية من ولاية ترامب الرئاسية، إذا لم تكسر شوكة المشروع الاميركي في المنطقة, وبالتالي منعه من التمدد الى اجزاء اخرى من العالم.
في الشكل، فاجأ ترامب باعلانه غير المتوقع كل القيادات في العالم واولها "اسرائيل"، باستثناء إيران التي كانت تدير عمليتها باتقان كبير, مستفيدة من دروس مسار استراتيجية ترامب ونهجه في سياق عملية استنزاف واعية, سواء في الضغط الاقتصادي المباشر وغير المباشر , خصوصاً في عمليات تحريك الاساطيل الاميركية البحرية والجوية , والانتشار في القواعد , وايضا حك معدن الدول المؤيدة للحرب عليها وتلك التي تصرخ في وجه اميركا ... "كفى".
المفاجأة الاكبر كانت لدى قادة الكيان الصهيوني، ولا سيما رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو , وقادة الجيش، وجميعهم علموا بتراجع ترامب عن "موجات" العدوان المقررة على البنى التحتية الايرانية, والعودة الى المفاوضات عبر منصّة التواصل الاجتماعي لترامب "تروث سوشال" كأي متابع لتغريدات ترامب, وهي متاحة للجميع.
لقد عكس قادة الاحتلال احباطهم واستياءهم الشديد من تعليق العدوان والعودة الى المفاوضات مع إيران, في مسألتين جوهريتين, الاولى، ووفق تعبير القادة الامنيين والعسكريين: "لقد تركَنا الرئيس ترامب في الظلام"، كما وصفت القيادة السياسية "الإسرائيلية" الساعات الأربع والعشرين الماضية بأنها "سير في الظلام"، إذ لم يتلقّ حتى كبار المسؤولين السياسيين أي معلومات مبكّرة بشأن قرار ترامب.
وساد إحباط في إسرائيل بسبب "التكلفة العملياتية لتغيير القرار في اللحظة الأخيرة"، وقال مسؤولون رفيعو المستوى بهذا الشأن، ل"القناة 12" إنه "بمجرّد خفض مستوى التأهّب، يستغرق الأمر وقتا لإعادة التنظيم"، و"من المحبط تخصيص كل الموارد لمجال واحد ثم اكتشاف أن ذلك كان تحشيدا بلا جدوى؛ لا نفهم ما هي غاية الرئيس (ترامب) النهائية"، وهو يسير على الحافة. بن يشاي أن "ترامب لا يُجيد المشي على الحافة، ودائما ما يُبالغ، وأول من يُدرك زيف تهديداته هم تجار البازار الإيرانيون الذين يعرفون بعض الشيء عن المفاوضات، والمشي على الحافة".
في هذا المجال، رأى المحلل العسكري لصحيفة "يديعوت أحرونوت"؛ رون بن يشاي، أن "ترامب لا يُجيد المشي على الحافة، ودائما ما يُبالغ، وأول من يُدرك زيف تهديداته هم تجار البازار- ( الايرانيون),, الإيرانيون الذين يعرفون بعض الشيء عن المفاوضات، والمشي على الحافة".
وأضاف أن "النمط المتكرر في سلوك ترامب رُصد في طهران، إذ تعلم المفاوضون الإيرانيون كيفية إسقاط الرئيس من على الشجرة وهو يتسلقها".
المسألة الثانية، وهي اكثر دقة من الاولى؛ ان ترامب يرى ان "اسرائيل" ليست سوى كيان "تابع" للولايات المتحدة, وهي وان كانت لها الافضلية بين ادوات واشنطن حول العالم، عليها الالتزام بما تمليه المصالح الاميركية, وفي هذا السياق، وبحسب تحليل موقع "واينت" الاسرائيلي فإن تراجُع ترامب الأخير كشف مجدّدا عن حقيقة أنه لا يكتفي بعدم إشراك "إسرائيل"، خصوصاً رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، في المشاورات قبل اتخاذ أي خطوات جادة، بل إنه لا يتردّد في إجبار تل أبيب على التوافُق معه، حتى من دون عناء التنسيق مع رئيس حكومتها، إذ إنه أعلن التراجع عن نيّته شنّ هجوم، و أن إسرائيل ملتزمة كذلك بعدم شنّ هجوم، من دون أي تلميح مسبق.وذكر بن يشاي أنه "لم يكن هذا هو الحال حتى بداية هذا العام، ولكن منذ حزيران/ على الأقل، عندما تم توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، أصبحت إسرائيل دولة تابعة للولايات المتحدة، وليست شريكا كاملا في المشاورات على المستوى السياسي".
كل ذلك يبدو صحيحا، لا بل دقيقا , لكن الاسباب لتعليق العدوان حاليا ليس رغبة ترامبية , بل ان ظروفا موضوعية مبنية على تقارير جمدت العدوان.
1- ان اي ضربة ومهما كانت قاسية من وجهة النظر الاميركية , لن تتمكن من لي ذراع إيران , لا بل ان لدى إيران, "بنك اهداف" واسع النطاق يمكن ان يكون في مرمى ضرباتها, وليس محصورا في القواعد الاميركية في المنطقة والدول التي تسمح باستباحة اجوائها واراضيها لتكون منطلقا في اي عدوان.
2- أدرك الاميركيون ان قادة الاحتلال وضعوا الجيش بكل تشكيلاته في حال الجهوزية والاستعداد للمشاركة في العدوان سيقابلون بضربات غير محدودة ومن جغرافيا متعددة.
3- ان الوضع الاميركي الداخلي غير مؤات لتوجهات ترامب الحربية كما يتعاظم في رفض الحرب التي يدفع تكاليفها وتجعله يقع تحت اعباء جديدة ومتعددة ,لا ناقة له فيها ولا جمل.
4- فهم الاستراتيجيون الاميركيون الذين يسهمون في صناعة القرار ان عدوانا اميركيا على إيران من شأنه ان يحدث أزمة اقتصادية عالمية، سيما وان أعضاء من حزب ترامب ايضا يتهمونه بالفعل بالتسبب في ركود عالميّ مماثل لما حدث خلال "الكساد الكبير" في ثلاثينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة.
5- تيقن ترامب المهجوس حاليا بالانتخابات النصفية ان اي عدوان سيؤدي حتما الى ارتفاع أسعار الطاقة عشية انتخابات التجديد النصفيّ، وهذا الامر وحده كاف لان يتسبب في فقدان الجمهوريين لأغلبيتهم في مجلسَيّ الكونغرس.
6- يظهر ان دول الخليج،المرعوبة, وهي على حق في مخاوفها , لن تكون بمنأى عن ضربات قاسية , والارجح افقادها موارد اساسية للاقتصاد والحياة , ناشدت ترامب حسب التسريبات الاميركية ان لا يقدم حاليا على خطوات ستكون هي ضحيتها الاكبر .حسب تصورها.
في كل الاحوال فان جلاء المشهد بالكامل لن يكون متاحا في مدى الاسابيع المقبلة، وعليه فان استزاف اميركا واعوانها سيبقى في الصدارة، وكذلك صورة ترامب وسياسته حتى سقوطه في الحفرة التي يسير على حافتها.
تدمير القرى... إقرارٌ "إسرائيلي" بالانسحاب المحتوم _ د. نسيب حطيط
تجميد الأموال في أميركا: "التجربة الإيرانية" لم يتعلَّم منها الحمقى والعبيد _ أمين أبوراشد
"إسرائيل".. وحربُ كسرِ الإرادةِ ومحوِ هوية المجتمع المقاوم _ د. نسيب حطيط