"إسرائيل".. وحربُ كسرِ الإرادةِ ومحوِ هوية المجتمع المقاوم _ د. نسيب حطيط

الثلاثاء 04 آب , 2026 10:58 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
يشن العدو "الإسرائيلي" أخطر حروبه على المجتمع المقاوم "بجناحيه العسكري والأهلي"، بدافع الخوف منه وليس من منطلق الانتصار عليه، ويعيش هاجس انسحابه المحتوم من "جبل عامل" بالقوة، أو بالمفاوضات ولو بعد عشرات السنين، نتيجةً تجربته بعد اجتياح عام 1982، بعدما أجبره المقاومون على الانسحاب دون قيد أو شرط، وكان للمجتمع الأهلي المقاوم الدور الأساس والمحوري لعمليات المقاومة، فكان كل بيت غرفة عمليات ومنشأة عسكرية، ولم تكن المقاومة معزولة عن أهلها، بل كانت كل قرية منشأة عسكرية لا يستطيع العدو إخضاعها، بسبب تلازم العمل العسكري مع العمل الأهلي بالمظاهرات والاعتصامات، وكان السلاح الدقيق والاستراتيجي حجراً وزيتاً مغلياً وعبوة ناسفة.
لم تكن عمليات المقاومة تقتصر على العمليات المنظمة الحزبية، بل كانت عملاً فردياً وجماعياً يحكمه التطوع والصدق والإيمان، ولا يستطيع العدو اختراقه ولا مصادرة معلوماته أو اكتشاف أفراده ومنشآته، لأنه كان مجتمعاً مقاوماً ولم يكن مجرد "جماعة مقاومة".
تعمل "إسرائيل" باستراتيجية تفكيك "المجتمع المقاوم"، وكسر إرادة الصمود والمقاومة، وزعزعة ثقته بالمقاومة وثقافتها ونهجها كطريق أساسي للدفاع عن الحقوق والكرامة وتحرير الأرض وتضع هدفا أساسياً يتمثل بتدمير الوعي وتغيير وتحريف  المصطلحات والمفاهيم وتأويل الآيات والاحاديث النبوية، لزرع اليأس وهزيمة المجتمع الأهلي المقاوم نفسياً، وتكثيف الضربات وزيادة الخسائر وإحكام الحصار عليه، ليخضع لشروطها، مقابل السماح له بالعودة القلقة غير الدائمة في "بيوت جاهزة"، وتقييده بالخوف وثقافة النزوح لمنعه من ترميم بيته أو إعادة بنائه أو زراعة حقله، لفرض نهج حياة تحكمها ثقافة " "الشنط الجاهزة"  في السيارة او مدخل البيت.
والسؤال: لماذا يركز العدو "الإسرائيلي" على تفكيك المجتمع الأهلي المقاوم وتدميره؟
يعتبر العدو "الإسرائيلي" أن نزع السلاح بمعطاه المادي الصاروخي أو المتنوع أمرٌ مستحيل ويحتاج إلى وقت طويل، وحتى لو تم نزعه فإن إمكانية إعادة تأمين البديل متاحة، وبفترة زمنية قصيرة، لكن القضاء على السلاح الأساس والاستراتيجي المتمثل "بالمجتمع الأهلي المقاوم" أمرٌ أساسي لتدمير الفكر المقاوم واستبداله بأفكار الخضوع والذل والاستسلام، لأن المجتمع الأهلي المقاوم قادرٌ على إعادة "إنجاب" حركات مقاومة جديدة كلما تم القضاء على حركة مقاومة مسلحة، ويعتبر أن تدمير القرى "جنوب الليطاني" أهم من  تدمير الأنفاق والمنشآت العسكرية؛ لأنها مع المساجد والحسينيات تشكل مصنع إعداد المقاومين، وأن كل ولادة لطفل معناها ولادة مشروع مقاوم جديد، وقد أعلن وزير الحرب "الإسرائيلي" كاتس ذلك "دمرنا كل شيء، لم يعد لسكان قرى جنوب لبنان مكان يعودون إليه، حتى لا نعيد التجربة ننسحب ثم يعود الأهالي وتعود المقاومة، فدمرنا 22 قرية و20,000 بيت، لأن كل بيت نعتبره موقعاً لحزب الله".
إن تدمير القرى والبيوت وجرف المقابر أكثر خطراً على المقاومة وأهلها من تدمير الأنفاق والمنشآت العسكرية، لأنها تدمر التاريخ والهوية والثقافة، وتحاول تدمير المستقبل والتحكم بحيثياته من خلال منع الناس من العودة إلى قراهم أو دفن موتاهم ، لأن "شاهد القبر" منشأة ثقافية وعاطفية لا يمكن محوها أو تفجيرها كما يحدث للأنفاق والمنشآت.
القبر والحسينية والمسجد والمكتبة أهداف عسكرية استراتيجية للعدو الذي يحاول قتل العقيدة التي تحرك السلاح، وإعدام الفكرة أو تشويهها أو حرفها أو تحريفها أو تدجينها، للتحكم بعقل أهل المقاومة للإنقلاب على أبنائهم المقاومين.
لا بد من أن نخوض معركة الوعي والدفاع عن الهوية وثقافة المقاومة لمنع كسر إرادة أهل المقاومة، فهي السلاح الأساس والاستراتيجي في المشروع المقاوم، والذي يتجاوز الدفاع عنه مسؤولية الدفاع عن السلاح الصاروخي وغيره.
نحن على مشارف خسارة معركة الثقافة والوعي والهوية، نتيجة الانهماك بالعمل العسكري والسياسي وإهمال جبهة الدفاع عن العقيدة والإرادة والوعي والثقافة المقاومة، بسبب تقصير علماء الدين والمثقفين والمفكرين (الذين غابوا عن هذه الحرب).
ندعو إلى إطلاق سراح المثقفين وأهل العقل والدين والعلم، بل ودعوتهم للنفير والمشاركة في معركة الوعي والهوية، لأنه حتى لو انتصر المقاومون في الميدان وانهزم المشروع المقاوم فكرياً وثقافياً فلن يتم صرف النصر واستثماره كما حدث في الانتصارات والإنجازات الماضية التي تم صرفها بمكاسب المنتفعين.
علينا الانتصار في حرب كسر الإرادة وتخريب الوعي ومحو الهوية، حتى لو انهزمنا أو لم ننتصر عسكرياً.
احفظوا "المجتمع الأهلي المقاوم" فهو السلاح الأساس والاستراتيجي قبل ان ينجح العدو بتفكيكه بالتدمير والترهيب والجوع والتهجير ...


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل