أقلام الثبات
منذ إطلاق "رؤية 2030"، سعت المملكة العربية السعودية إلى إعادة صياغة دورها الإقليمي والدولي انطلاقاً من أولوية التنمية الاقتصادية والاستقرار، وهو ما انعكس في انتهاج سياسة خارجية أكثر براغماتية، شملت الانفتاح على الخصوم السابقين، وفي مقدمتهم إيران، والسعي إلى تخفيض التوترات الإقليمية. غير أن تطورات عام 2026، لا سيما اندلاع الحرب الأميركية - الإيرانية، ومؤخراً اتساع ساحات الاشتباك من الخليج إلى البحر الأحمر والعراق، أعادت طرح أسئلة جوهرية حول موقف المملكة من التطورات.
وقد نقل الاعلام مؤخراً عن اتصال حصل بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفيه أكد ولي العهد ضرورة تغليب لغة الحوار لخفض التصعيد، وأهمية بذل كافة الجهود الممكنة لتحقيق التهدئة التي تمهد الطريق لحلول دبلوماسية تحقق نتائج إيجابية.
ومقارنة بين تطورات الأسبوع الماضي، حيث شاركت المملكة في ضربات في اليمن والعراق، والحديث عن التهدئة، كيف يمكن قراءة السياسة السعودية الحالية؟
أولاً: وجدت السعودية، ومعها دول الخليج، نفسها أمام تداعيات حرب لم تكن صاحبة قرار اندلاعها، لكنها أصبحت معنية مباشرة بنتائجها. وعليه، إذا انتهت الحرب إلى تثبيت موقع إيران الإقليمي مع تعزيز نفوذ حلفائها في اليمن والعراق ولبنان، فإن ذلك سيخلق واقعاً استراتيجياً جديداً لا يصب بالضرورة في مصلحة دول الخليج. بالتالي، من منظور صانع القرار السعودي يجب ألا تؤدي نهاية الحرب الى تهديد للمصالح الحيوية للدولة أو اخلالاً بموازين القوى في المنطقة.
ثانياً: منذ إطلاق رؤية السعودية 2030، تحاول المملكة أن تبني اقتصاداً متنوعاً وموجهاً نحو الاستثمار والسياحة والتكنولوجيا والصناعات الحديثة، وبالتالي تحوّلت الممرات كباب المندب والبحر الأحمر إلى شرايين حيوية لمشروع اقتصادي طويل الأمد، وهو ما يجعل الاستقرار الإقليمي جزءاً من الأمن الوطني لأنه يشكّل بيئة جاذبة للاستثمار.
من هذا المنطلق، أي محاولة لتهديد الملاحة البحرية – حتى لو لم تكن موجّهة ضدها مباشرة - تُقرأ في الرياض كتهديد مباشر لرؤية المملكة المستقبلية.
ثالثاً: تدرك المملكة أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تشكيل واسعة بفعل الحرب الحالية، وفي مثل هذه اللحظات التاريخية لا يكفي أن تكون الدولة مؤثرة اقتصادياً، بل يجب أن تكون أيضاً طرفاً فاعلاً في إنتاج التوازنات الأمنية والسياسية الجديدة.
وعليه، يمكن تفسير بعض التحركات السعودية الأخيرة بوصفها محاولة لتأكيد أن المملكة شريك في صناعة النظام الإقليمي الجديد، وهو ما دفعها للإعلان عن استعدادها لتأسيس تحالف لحماية الممرات البحرية والمشاركة في قصف مقرات الحشد الشعبي في العراق.
رابعاً: مع تزايد المؤشرات إلى توجّه أميركي نحو الاعتماد بصورة أكبر على الشركاء الإقليميين في إدارة ملفات الأمن والاستقرار، برزت نقاشات حول أدوار متنامية لعدد من القوى الإقليمية في قضايا المشرق العربي، وتعكس تصريحات الرئيس ترامب بشأن العلاقات مع تركيا، إلى جانب حديثه عن دور سوري في لبنان، توجهاً أميركياً بعدم الرغبة في تحمل العبء الكامل للأمن الإقليمي بعد انتهاء الحرب، والاتجاه الى توزيع الأدوار على الشركاء.
تدرك المملكة أن حصول فراغات جيوسياسية ستجذب فاعلين متعددي الاتجاهات؛ من تركيا إلى "إسرائيل" إلى قوى دولية مختلفة، ولذلك فإن الهدف هو ضمان وجود دور سعودي مؤثر في مستقبل المشرق العربي والعالم العربي عموماً. في هذا السياق، تسعى المملكة إلى تأكيد حضورها باعتبارها طرفاً رئيسياً في صياغة التوازنات الإقليمية الجديدة، وفاعلاً رئيسياً بما ينسجم مع ثقلها السياسي والاقتصادي وموقعها المحوري في النظام العربي.
في النتيجة، لا تبدو السياسة السعودية الحالية قائمة على المفاضلة بين التهدئة والردع، بقدر ما تقوم على الجمع بينهما ضمن مقاربة واحدة هدفها حماية مشروع 2030، وتعزيز موقع المملكة في النظام الإقليمي الذي سيتشكل بفعل الحرب.
إنهاء المقاومة الفلسطينية المسلّحة... تثبيتٌ للاحتلال وتصفيةٌ للقضية _ د. نسيب حطيط
رسالة إلى أهلنا الصابرين _ د. نسيب حطيط
أدركوا أهلكم من توحّش الحرب الطويلة _ د. نسيب حطيط