أقلام الثبات
بعد أكثر من أربعين عامًا من الحرب غير المباشرة، انفجر الصراع الأمريكي - الإيراني بشكل مباشر وكبير في ساحات لبنان والعراق وسوريا واليمن وفلسطين ومناطق أخرى، حيث كان الإيرانيون والأمريكيون يخوضون هذا الصراع عبر حلفائهم؛ ففي حين خاضت أمريكا الحرب بأدواتها المتمثلة في "إسرائيل" وبعض الدول العربية والإسلامية والجماعات التكفيرية، كانت إيران تخوضها عبر حلفائها من حركات المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق واليمن، ومع فارق جوهري يتمثل في أن هذه الحركات تخوض حروبها الخاصة لتحرير أراضيها من الاحتلال والغزو الأمريكي - "الإسرائيلي"، ولصون حقوقها، مستفيدة من الدعم والاحتضان الإيراني، خلافًا لما تروج له أمريكا وأدواتها بأنها تخوض حربًا نيابةً عن إيران.
بعد إبادة غزة، وإسقاط نظام الأسد، واغتيال "السيد الشهيد"، وتقييد المقاومة في لبنان، تغيّرت قواعد الاشتباك الأمريكي - الإسرائيلي" - الإيراني، وانتقلت إلى مرحلة الحرب المباشرة ضد إيران على أرضها، بهدف تنفيذ ضربة خاطفة ودقيقة لاغتيال قيادة المشروع المقاوم على المستوى القيادي (اغتيال المرشد) وعلى المستوى التنظيمي عبر إسقاط النظام في إيران، لتسهيل ولادة "إسرائيل الكبرى" والشرق الأوسط الأمريكي الجديد، ووفقًا لتقاطع المصالح والأوامر الأمريكية، انضمت دول الخليج بشكل مباشر في الحرب عبر استخدام قواعدها العسكرية والدعم المالي والسياسي.
تتشابه أحداث وعناصر الحرب "الأمريكية - الشيعية" مع الحرب "الأمريكية - الشيوعية" التي قادتها أمريكا والاتحاد السوفياتي، حيث كان الصراع أيديولوجيًا بين الاشتراكية والرأسمالية، وعسكريًا وسياسيًا بين أمريكا الداعمة للأنظمة العربية وأمريكا اللاتينية، والاتحاد السوفيتي الداعم لدول العالم الثالث التحررية ولحركات التحرر في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأفريقيا. وقد انتهت تلك الحرب لصالح أمريكا على المستوى الإيديولوجي بسقوط الفكر الشيوعي أو تراجعه، وعلى المستوى السياسي بتفكك الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية.
تحاول أمريكا إعادة تكرار السيناريو وخطط حربها القديمة، وقد بدأت بالحرب الثقافية والأيديولوجية عبر إقصاء وتشويه الفكر الإسلامي الأصيل وتقييده بالفكر الطقوسي المحايد أو الرافض للعمل المسلح، أو تلقيحه بالفكر التكفيري لاستثماره وتدجينه، حين استخدمت الجماعات التكفيرية ضد السوفيات في أفغانستان وإسقاط النظام في سوريا، وإضعاف العراق، وتهديد المقاومة في لبنان، وتكفير حماس والجهاد بسبب تعاونهما مع "الرافضة الشيعة" ضد "إسرائيل"، وإعلان التكفيريين عدم عداءهم "لإسرائيل" والعمل تحت الراية الأمريكية.
لم يتبقَ أمام امريكا لتحقيق مشروعها بإسقاط المنطقة ونشر "الديانة الإبراهيمية"، سوى هزيمة "العدو الشيعي"؛ كما حدث للاتحاد السوفيتي - مع الفارق في الإمكانيات - واجتثاثه فكرياً وسياسياً وعسكرياً لإنجاز مشروع الشرق الأوسط الجديد "المنزوع السلاح" باستثناء الأسلحة الضرورية للقمع والحروب الطائفية والقومية التي تهدف إلى تفتيت المنطقة ومحو الهوية الثقافية والدينية، ما يفرض على الشعوب والأحزاب وضع قواعد عاقلة لتقييم هذه الحرب قبل اتخاذ موقف منها، سواء كان تأييداً لإيران أو لأمريكا. فإذا تم اعتماد الانتماء المذهبي الضيق والمتعصب، فإن هزيمة إيران ستُعتبر نصراً للطرف المذهبي وليس نصراً لأمريكا و"إسرائيل"، وسيفرح البعض بهزيمة عدوه "الديني" عبر طرف ثالث لعجزه عن هزيمته، أما إذا تم تقييم الموقف بعقلانية ومن منظور أوسع، فإن هزيمة إيران والمحور المقاوم ستعني هزيمة له واستباحة لدينه وجغرافيته وهويته وتقاليده وثرواته.
يحارب "الشيعة" اليوم دفاعاً عن دينهم وحقوقهم، ويخوضون المعركة نيابة عن الأمة وعن كل المظلومين والمستضعفين عالمياً ممن تعتدي عليهم أمريكا و"إسرائيل"، والتي تخطف رؤساءهم، وتسقط أنظمتهم، وتنهب ثرواتهم، مما يوجب ولادة "تحالف عالمي" يضم إيران وحركات المقاومة وكل المتضررين من العدوان الأمريكي لردع هذا العدوان وحفظ حقوقهم.
الحرب الأمريكية - الشيعية هي حرب دينية وسياسية ووجودية، وستكون حرباً ساخنة ونارية، بلا قيود أو ضوابط، وستتوسع جغرافياً وربما من حيث الأطراف المشاركة، ففي حال عجزت أمريكا عن هزيمة إيران وحركات المقاومة، فإنها ستلجأ إلى إشعال الحروب الأهلية المذهبية والقومية، وستجبر الجماعات التكفيرية والقومية وغيرها على المشاركة، خصوصاً في لبنان والعراق، بهدف إطباق الحصار على إيران وسلبها الحلفاء في الحرب الدائرة، كما يمكن أن تلجأ للخداع عبر التفاوض وإقرار هدنة قصيرة أو طويلة لإعادة تجميع قواها، ثم توجيه ضربة قاضية بعد فشل ضرباتها السابقة التي ستفشل، إن شاء الله، لاحقاً.
إذا سقطت إيران وانهزمت سيتغير وجه المنطقة والعالم، وستتحكم أمريكا بمصادر الطاقة وتحكم العالم اقتصادياً، وتحاصر الصين واليابان، وستكمل حربها لإسقاط تركيا ومصر، وبعدها روسيا المُهددة بالتفكك.. لكن إذا استطاعت أمريكا إسقاط الشيوعية، فلن تستطيع إسقاط الشيعة، تصديقًا للوعد الإلهي {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.
الحرب الشيعية - الأمريكية هي حرب المستضعفين والمظلومين من المسلمين والمسيحيين والعلمانيين ضد المستكبرين والمستعمرين.
الحرب الشيعية - الأميركية.. وآثارها الإقليمية والدولية _ د. نسيب حطيط
الثلاثاء 24 آذار , 2026 01:52 توقيت بيروت
أقلام الثبات
إلى أهل السلطة في لبنان: ماذا قدّم لكم "ثنائي العدوان" كي تذهبوا إلى هذا الانبطاح؟ _ حسان الحسن
"وجوب" انضمام لبنان إلى المحكمة الجنائية الدولية ــ د. ليلى نقولا
رسالة إلى بعض الحاقدين اللبنانيين: ماذا لو انتصرت المقاومة؟ _ د. نسيب حطيط