أقلام الثبات
أعلنت وكالة "رويترز" نقلاً عن مصادر خليجية وغربية، أن سلطنة عُمان قدَّمت إلى إيران مقترحاً جديداً يقضي بإنشاء آلية إقليمية مشتركة لإدارة مضيق هرمز، مع تحصيل مساهمات اختيارية للمساعدة في تمويل تكاليف إدارة الملاحة وحماية البيئة وعمليات البحث والإنقاذ، وغيرها من الخدمات اللوجستية للسفن العابرة؛ كما هو الحال في مضيق "ملقة" الذي يربط بين المحيطين الهندي والهادئ، وتستفيد منه الدول المُشاطئة الثلاث: إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، مع أرجحية لإندونيسيا في نسبة الاستفادة، كونها تمتلك الشاطئ الأطول على المضيق المذكور (960 كيلومتراً)، مقابل 730 لماليزيا، و113 لسنغافورة.
وضع مضيق هرمز من الناحية النظرية شبيه بمضيق ملقة، والدولتان الأساسيتان المطلتان مباشرة على هرمز هما إيران وسلطنة عمان؛ إيران من الجهة الشمالية، وسلطنة عمان من الجهة الجنوبية، مع أرجحية لإيران كونها تشرف على الممرات الملاحية في الساحل الشمالي والشمالي الشرقي، لكن المشكلة أن وضع مضيق هرمز بعد العدوان على إيران بات يختلف عن وضع مضيق ملقة من الناحية الجيوسياسية، ووجه الشبه الذي كان سائداً بينهما أسوة بكل المضائق البحرية قد تبدَّل، وغدا مضيق هرمز ورقة سياسية ضاغطة على اقتصادات العالم من جهة، وورقة عقاب على الدول الخليجية المستضيفة للقواعد الأميركية المعتدية من جهة أخرى، وهي السعودية والكويت والإمارات وقطر التي تستخدم مضيق هرمز لشحن 80% من صادراتها من النفط والغاز والمشتقات الكيميائية الأخرى.
المفارقة المُستجدَّة حصلت منذ بضع ساعات؛ بإعلان وكالة فارس أن سفينة قطرية ناقلة للغاز عبرت مضيق هرمز وهي تبثُّ بياناتها الملاحية المعتادة، وسلكت المسار الذي حددته إيران، وواصلت إبحارها نحو المياه الدولية دون أية مشاكل، وحصل هذا التسامح مع قطر، بالتزامن مع صدور البيان الحاسم والجازم رقم 54 عن الحرس الثوري الإيراني حول "مُلكية إيران لمضيق هرمز" والمؤرخ في 30 تموز/ يوليو 2026.
في هذا البيان، حذَّر الحرس الثوري الدول الداعمة للمعتدين بردٍّ قاسٍ، وأكد إغلاق مضيق هرمز وعدم فتحه مع استمرار التهديدات الأميركية، وكشف عن تراجع ناقلتي نفط بعد حريق إحداهما إثر تحريض أميركي على سلوك مسارٍ مخالف.
ووجه البيان الإيراني إنذاراً بأن الدول المشاركة في دعم أو مساعدة "المعتدي" ستتلقى رداً صارماً وقاسياً ما لم تُعدِّل سلوكها، وان السيادة البحرية على المضيق هي إيرانية، مع تأكيد السيطرة الكاملة للقوات البحرية للحرس الثوري على مضيق هرمز باعتباره "أرضاً إيرانية"، ورفض أي تدخل أجنبي بشأنه، على أن لا يُعاد فتحه طالما استمرت التهديدات والتدخلات الأميركية في حركة الملاحة.
وفي سياقٍ موازٍ، تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن "أسطول البعوض" الإيراني ومدى قدرته على خوض الحروب اللامتماثلة، في إشارة إلى المواجهات الناجحة لهذا "الأسطول" المُكوَّن من زوارق صغيرة ومسيرات زهيدة الكلفة، مع مدمرات عملاقة وحاملات طائرات. وجاء حديث الرئيس بوتين عن نجاعة "أسطول البعوض" ضمن كلمته بمناسبة الإحتفال بِعِيد البحرية الروسية.
ومع تحاشي اقتراب المدمرات الأميركية من مضيق هرمز، كي لا تتعرض للهجوم الإيراني أسوة بالسفن المُخالفة، واكتفاء الإدارة الأميركية بحصار الموانئ الإيرانية عن بُعد، فإن إيران التي تمتلك نحو 2500 كيلومتراً من السواحل، استطاعت التأقلم مع حصار موانئها، إضافة إلى استحداث ست طرق برية تغنيها جزئياً عن استخدام التصدير البحري، حيث لديها حدود برية مع سبع دول بطول إجمالي يبلغ نحو 5,894 كيلومتراً، وهذه الدول هي: العراق، وتركمانستان، وباكستان، وأفغانستان، وأذربيجان، وتركيا وأرمينيا، إضافة إلى تمتع إيران باكتفاء ذاتي في الكثير من المواد الاستهلاكية، واعتادت هذا الواقع طيلة مدة الحصار الأميركي التي ناهزت الـ47 عاماً.
وإذ لم توفِّر إدارة الرئيس ترامب دراسة كل الاقتراحات الاستخبارية للقيام بأي غزو بري أو احتلال لجزر إيران الاستراتيجية، فإن مخاطر كبرى حالت حتى الآن دون القيام بأية محاولة، وأبرز المخاطر هي الخوف من اضطراب أسواق الطاقة العالمية وعسكرة الممرات المائية، والوقوع في فخ الجغرافيا الوعرة واستنفار إيران لشعبها الذي سارع بالملايين الى التطوع الدفاعي، إضافة الى مخاطر احتلال الجزر مثل جزيرة خارك أو الجزر النفطية، لأن السيطرة على جزيرة خارك على سبيل المثال، تحرم إيران من تصدير 90% من نفطها، لكن هذا الأمر سيدفع نحو ردود فعل عسكرية مدمرة على منشآت الطاقة في الدول المجاورة، والخوف من الرد الإيراني المفتوح في توسيع نطاق الحرب ليشمل الملاحة البحرية وخطوط الإمداد في الخليج العربي، إضافة الى كلفة الدفاع عن الجزر في حال احتلالها لأنها ستكون أهدافاً سهلة للصواريخ الباليستية والطائرات المُسيَّرة الإيرانية، وبالتالي حدوث مجازر بشرية بحق القوات الغازية وهذه من أبرز النقاط التي تُرهِب أميركا، ويبدو أنه لا خيارات كثيرة أمام إدارة ترامب والأنظمة الخليجية، سوى التفاوض مع إيران وبشروطها لفتح مضيق هرمز، لأن الاحتياطي النفطي الأميركي قد بدأ بالنفاد ولامس الطبقة الطينية، ودول الخليج لا تستطيع تصدير نفطها ولا استيراد حاجياتها المعيشية على ظهور الإبل.
"الساداتيون الجدد"... ومحور الاستسلام اللبناني – السوري – العراقي _ د. نسيب حطيط
الحرب الأميركية على الإسلام: نزع السلاح الشيعي.. وإحراق الاقتصاد السُّني _ د. نسيب حطيط
دور أوكرانيا في الحرب الأميركية - "الإسرائيلية" على المنطقة _ يونس عوده