"وجوب" انضمام لبنان إلى المحكمة الجنائية الدولية ــ د. ليلى نقولا

الإثنين 23 آذار , 2026 01:36 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

يواجه لبنان تحديات قانونية جسيمة في ظل تكرار الانتهاكات المرتكبة على إقليمه الوطني، مما يستوجب الانتقال من التوثيق الحقوقي إلى المساءلة الجنائية الدولية.
إن انضمام لبنان إلى نظام روما الأساسي يمثل خطوة استراتيجية لتفعيل آليات الملاحقة القضائية ضد مرتكبي جرائم الحرب، بالاستناد إلى القواعد الإجرائية والموضوعية التي تحكم عمل المحكمة الجنائية الدولية.
أولاً: آليات تفعيل ولاية المحكمة (الأساس الإجرائي)
تتحرك المحكمة الجنائية الدولية للنظر في الجرائم الداخلة في اختصاصها (جرائم الحرب، الجرائم ضد الإنسانية، الإبادة الجماعية، وجريمة العدوان) عبر ثلاث مسارات إجرائية حددتها المادة (13) من نظام روما:
1.    إحالة من دولة طرف: يحق للبنان، فور انضمامه، إحالة "حالة" إلى المدعي العام للتحقيق في الجرائم المرتكبة على أرضه.
2.    إحالة من مجلس الأمن: بموجب الفصل السابع، وهي آلية معقدة تخضع للتوازنات السياسية وحق النقض.
3.    المبادرة الذاتية للمدعي العام (Proprio Motu): حيث يمكن للمدعي العام فتح تحقيق بناءً على معلومات موثوقة، شريطة الحصول على إذن من الدائرة التمهيدية.

ثانياً: سابقة الحالة في فلسطين وصدور مذكرات الاعتقال

تشكل الحالة الفلسطينية نموذجاً قانونياً متكاملاً يمكن للبنان القياس عليه. فقد أتاح انضمام دولة فلسطين إلى نظام روما (2015) وقبول اختصاص المحكمة بموجب المادة (12/3)، ممارسة الولاية القضائية على الجرائم المرتكبة في الأراضي المحتلة.
وقد توجت هذه المسارات في أيار 2024، حين قدم المدعي العام للمحكمة "كريم خان" طلبات لإصدار مذكرات اعتقال ضد مسؤولين "إسرائيليين"، وعلى رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

هذه السابقة تثبت أن:
    الجنسية ليست عائقاً: المحكمة تملك سلطة ملاحقة رعايا الدول غير الأعضاء (مثل "إسرائيل") إذا ارتكبوا جرائم على إقليم دولة عضو (مثل فلسطين أو لبنان مستقبلاً).
    تجاوز الحصانات السيادية: المادة (27) من نظام روما تنص على عدم الاعتداد بالصفة الرسمية، ما يعني أن المنصب القيادي لا يمنح حصانة أمام القضاء الجنائي الدولي.

 ولكي يتمكن لبنان من محاكمة الجرائم المرتكبة على أرضه، يتوجب استيفاء الشروط التالية:

1.    الاختصاص الزماني والمكاني: يجب أن تغطي إحالة لبنان الجرائم المرتكبة منذ تاريخ محدد، وهو ما يمكن تحقيقه عبر "إعلان قبول الاختصاص" بأثر رجعي وفق المادة (12/3).

2.    إثبات "عدم القدرة أو عدم الرغبة": تطبيقاً لمبدأ التكامل، يجب تبيان أن القضاء الوطني اللبناني غير قادر على ملاحقة القادة "الإسرائيليين" بسبب عوائق قانونية أو واقعية (عدم القدرة على الوصول للمتهمين أو تنفيذ الأحكام).

3.    معيار الجسامة: توثيق الجرائم بما يثبت أنها تشكل انتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف، مثل استهداف الأعيان المدنية، واستهداف الإسعاف والصحفيين، واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً، والتهجير القسري.

وعليه، إن الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية يوفر للبنان منصة قانونية لتكريس المسؤولية الجنائية الفردية للقادة العسكريين والسياسيين. إن تجربة ملاحقة نتنياهو وغالانت تؤكد أن أدوات القانون الدولي، رغم تعقيداتها، قادرة على محاصرة مرتكبي الجرائم دولياً وتقييد حركتهم، وهي ضرورة وطنية لحماية السيادة اللبنانية ومنع تكرار الانتهاكات.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل