المحور المقاوم.. واستراتيجية توازن الخسائر _ د. نسيب حطيط

الأحد 22 آذار , 2026 11:15 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
يخوض محور المقاومة الحربَ الرابعة ضمن سلسلة الحروب العربية - "الإسرائيلية" ( 1948 و1967 و1973) وحروب لبنان، بعدما أشاع أعداء المحور وخصومه موت المحور وتفككه، خصوصاً بعد إبادة غزة، وسقوط النظام في سوريا، واغتيال "السيد الشهيد"، والضربات القاسية التي تعرضت لها المقاومة في لبنان، وقد بنى الجميع مواقفهم على هذا الاعتقاد الخاطئ، وظنوا أن المنطقة تخلّصت من القوى التي أعاقت وعرقلت المشاريع "الإسرائيلية" - الأمريكية، صفقة القرن، وتهويد القدس، ومسارات التطبيع والاستسلام، وكان الاعتقاد السائد هو القضاء على محور المقاومة الذي سيطر على المشهد العسكري والسياسي للمنطقة لمدة ثلاثة عقود، بعد اغتيال قياداته التاريخية والمركزية والرمزية في لبنان وفلسطين والعراق وإيران وسوريا، وكانت الضربة الأشد هي اغتيال المرشد الشهيد الخامنئي مع حوالي 40 قيادياً أساسياً في إيران.
لم يبق أمام التحالف الأمريكي - "الإسرائيلي"، سوى توجيه الضربة الخاطفة والأخيرة لإعلان انتصاره الشامل واستعمار المنطقة، وتنفيذ مشروعه الديني السياسي الاقتصادي، عبر إسقاط النظام في إيران وإنهاء الثورة. ونتيجة لعدم فهمه لأسس منظومة الحكم في إيران، وللفكر السياسي والديني للشيعة، ومفاهيم الموت والشهادة والنصر وجذورها التاريخية، ظنوا أن الأمر سينتهي باغتيال المرشد، لكن النتيجة كانت عكسية، فالأمر بدأ بالفعل باغتيال المرشد!
فاجأت قوى ما تبقى من محور المقاومة، وخصوصاً المقاومة اللبنانية، العدو بذكائها وصبرها واحترافها وصمتها وغموضها البنّاء، فخدعته وأوهمته بضعفها واستسلامها للأمر الواقع، فبعد 15 شهراً من الاستباحة والاغتيالات والقصف والحصار، وتجرؤ طفيليات السياسة اللبنانيين عليها، تخوض المقاومة الآن حرباً أسطورية ضد 50 ألف جندي "إسرائيلي"، وبعد مرور 20 يوماً من الحرب، استطاع الثلاثي المقاوم (إيران، لبنان، العراق) استيعاب الهجوم الغادر وتداعياته، والانتقال إلى مرحلة الإمساك بزمام الميدان والثبات السياسي، والتقدم لفرض الشروط أو على الأقل تعديلها، لتعويض الخسائر الماضية، وفق التالي:
- النجاح في توظيف الخسائر لتعبئة شعوبها وأنصارها، وجذب شعوب وجماعات مناهضة إلى موقع الحياد والتأييد، عكس ما كان يتوقعه الثنائي نتنياهو - ترامب.
- توسيع دائرة المتضررين من الحرب، وعدم حصرها بإيران ولبنان، بل "عولمتها"، عبر تعطيل إمدادات النفط والغاز وما تبعها من تداعيات اقتصادية عالمية، سواء بتوقف الصناعات أو ارتفاع الأسعار.
-  تبنّي استراتيجية توازن الخسائر، نظرًا إلى عدم القدرة على تحقيق توازن الردع (بسبب عدم تكافؤ القوى)، وخوض الحرب بدون قيود والمعاملة بالمثل.
- إطالة مدة الحرب وتحويلها من ضربة خاطفة إلى حرب استنزاف لا تحتكر أمريكا أو "إسرائيل" إدارتها، بل أصبح "محور المقاومة" شريكًا في إدارتها.
- تسخيف استراتيجية دول الخليج وتأديبها، بعد اعتمادها على منظومة "الأمن بالأجرة" وصفقات الأسلحة التي نهبتها، مما كشف هشاشة الأمن الخليجي وأظهر الإمارات والممالك كيانات واهية وغير آمنة، وأثبت أن الحماية الأمريكية - "الإسرائيلية" كانت وهماً وخداعاً، وأن أمن الخليج ليس أولوية للقواعد الأمريكية، وحضر وظيفتها بحماية المصالح الأمريكية - "الإسرائيلية" على نفقة الخليجيين.
-  ترسيخ وحدة الساحات وتنسيق إدارة النيران المتبادلة بين المقاومة اللبنانية والحرس الثوري، والمنسقة ثلاثياً مع المقاومة العراقية، بانتظار انضمام اليمن، لإعادة هيكلة "محور المقاومة" عسكرياً تمهيداً لتثبيت وحدة التفاوض السياسي ووقف إطلاق النار الشامل.
- عدم اقتصار الدمار والخوف والنزوح على لبنان وإيران، بل امتد ليشمل الداخل "الإسرائيلي"، لأول مرة وبهذا المستوى من الضربات الصاروخية التي استمرت لعشرين يوماً متتالية، على كامل الجغرافيا الفلسطينية المحتلة (باستثناء القرى الفلسطينية)، ما أدى إلى تعطيل الاقتصاد والسياحة والمطارات.
- إعادة إحياء ثقافة المقاومة وحماية المشروع التحرّّري، وإنقاذ الأمة من ثقافة الاستسلام والذل التي بدأت تسيطر على عقول ووعي الشعوب والنخب الثقافية والدينية وقد نجح محور المقاومة في كسب معركة الوعي والحفاظ على الهوية، وأثبت عملياً وميدانياً إمكانية الانتصار على "إسرائيل" وأمريكا، وأن الاستسلام ليس الخيار الوحيد لنجاة الأفراد والشعوب والدول، ما يؤكد ضرورة وجدوى المقاومة المسلحة ورفض نزع السلاح.
سيواصل المحور المقاوم حربه ويعمل على إطالة مرحلة الصمود والمواجهة، لإلحاق خسائر أكثر بالعدو وتحطيم معنوياته وقد بدأ المحور بكسب الأرباح ونقاط القوة، رغم الخسائر الكبيرة والقاتلة التي تعرّض لها، لكن استمرار الحرب وإطالتها سيكونان في صالحه، وسيتمكن من تعويض معظم الخسائر التي تكبدها، ليصبح شريكاً قوياً في إعادة تشكيل المشهد السياسي في الشرق الأوسط، واولى المكاسب انه  استطاع انتشال القضية الفلسطينية من "تابوتها" أثناء مراسم دفنها، وسيتمكن من إسقاط "الديانة الإبراهيمية" وحماية الإسلام القرآني الأصيل، الذي يقاوم الغزاة والمحتلين، بدلاً من أن يكون عوناً وسنداً لهم كما هو حال الجماعات التكفيرية وإسلام الحكومات وبعض الأحزاب.
 لم تنتهِ الحرب بعد... والأمور بخواتيمها، وستكون بإذن الله تعالى لمصلحة المؤمنين الصادقين الأحرار...


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل