لبنان المقاومة: حين يصبح الصمت تواطؤًا… والغضب آخر أشكال الكرامة ـ محمد دياب

الأربعاء 18 آذار , 2026 10:23 توقيت بيروت أقلام الثبات

خاص الثبات

ليس التهوّر أن تصرخ بعد صمتٍ طال، ولا أن ترفع رأسك بعد سنواتٍ من الانحناء القسري. التهوّر الحقيقي هو أن تُطالَب بأن تبتلع القهر كأنه قدر، وأن تُقنع نفسك بأن الخضوع حكمة، وأن تسمّي العجز تعقّلًا. التهوّر أن ترى الظلم بعينيك، ثم تختار أن تبرّره بلغةٍ منمّقة، أو تختبئ خلف مفاهيم مشوّهة عن “العقلانية” و”الواقعية”.

تذكّروا جيدًا: لم نكن يومًا عشّاق ضجيج، ولا طلاب مواجهة من أجل المواجهة. لم نُخلق لنحمل الغضب، ولا لنجعل منه خطابًا يوميًا. كنّا نريد حياة عادية… كريمة… آمنة. لكننا كنّا أيضًا صبورين… صبورين إلى الحد الذي يُوجِع، إلى الحد الذي يجعل الصبر نفسه تهمة.

صبرنا حين كان الألم يُختصر في نشرات الأخبار، وحين كانت المآسي تمرّ وكأنها أرقام لا وجوه لها. صبرنا حين قيل لنا: “ليس الآن”، “تحمّلوا أكثر”، “الحكمة في الانتظار”. وكأن الزمن كان كفيلًا وحده بإصلاح ما يُكسر كل يوم.

لكن ماذا عن اللحظات التي لا يحتملها إنسان؟ ماذا عن اللحظات التي يُدفع فيها الأب إلى الاختيار بين حياته وحياة عائلته؟ أيُّ ميزانٍ هذا الذي يُجبر الإنسان على أن يُفاضل بين موتٍ وموت؟ وأيُّ عقلٍ يقبل أن يُطلب منّا الصمت أمام هذا الجنون؟

حين قاد ذلك الأب سيارته بعيدًا عن أحبّته، لم يكن يبحث عن بطولة، ولم يكن يسعى إلى مشهدٍ يُروى. كان فقط يحاول أن ينقذ ما يمكن إنقاذه من عالمٍ انهار فجأة. اختار أن يدفع الثمن وحده، لأن العالم من حوله قرر أن يفرض عليه هذا الثمن. ذلك الفعل لم يكن تهوّرًا… بل كان ذروة المأساة، وأعلى درجات الوعي حين يُسلب الإنسان كل الخيارات.

وأنتم… يا من تجلسون بعيدًا عن هذا الثقل، يا من تتحدّثون بلغةٍ باردة عن “ضبط النفس” و”حسابات الربح والخسارة”… ماذا تعرفون حقًا عن هذا الواقع؟ ماذا تعرفون عن ليلٍ بلا أمان، عن خوفٍ لا ينتهي، عن قرارٍ مصيري يُتخذ في لحظة رعب؟

كنتم تراقبون وتُحلّلون، تصوغون مقالاتٍ عن “الرصانة”، وتطالبون بالمزيد من الصمت. لكن صمتنا لم يكن يومًا حلًا، بل كان فقط يؤجّل الانفجار. كنتم ترقصون على حافة الألم، وتسمّون ذلك اتزانًا، بينما كنّا نحن نحاول فقط أن نبقى بشرًا وسط كل هذا.

ما يحدث اليوم ليس انفلاتًا كما تدّعون، بل هو تراكم طويل، ثقيل، مؤلم. هو نتيجة طبيعية لسنواتٍ من القهر، من الإذلال، من الشعور بأن الكرامة تُسلب قطعةً قطعة. هذه الصليات التي تُفزعكم، هي لغة لم نخترها، لكنها فُرضت علينا حين أُغلقت كل اللغات الأخرى.

الغضب ليس دائمًا عيبًا… أحيانًا يكون آخر ما تبقّى من إنسانيتنا. حين يُطفأ الأمل، ويُخنق الصوت، ويُطلب منك أن تتكيّف مع الظلم كأنه وضع طبيعي، يصبح الغضب فعل مقاومة، لا رد فعل أعمى.

لسنا متهوّرين… نحن فقط وصلنا إلى الحافة. الحافة التي يصبح فيها الصمت خيانة للذات، والتراجع تنازلًا عن أبسط حقوق الإنسان في أن يعيش بكرامة. نحن لا نبحث عن التصعيد، بل فُرض علينا. لا نحبّ القسوة، لكننا عشناها حتى صارت جزءًا من يومنا.

إن كان صوتنا اليوم عاليًا، فذلك لأن الألم كان أعمق مما تتخيّلون. وإن كانت كلماتنا قاسية، فذلك لأن الواقع أشد قسوة من أي تعبير.

فلا تطلبوا من المظلوم أن يكون هادئًا على مقاسكم، ولا من الجريح أن يختار كلماته بعناية وهو ينزف، ولا من المقهور أن يبرّر لكم غضبه بلغةٍ ناعمة.

هذه ليست لحظة تهوّر… هذه لحظة انكشاف.

انكشاف لكل ما حاولتم تغطيته، لكل ما أُجّل، لكل ما قيل لنا أن نصمت عنه. وهذه الصرخة، مهما اشتدّت، ليست سوى محاولة أخيرة لاستعادة معنى الكرامة… قبل أن تضيع بالكامل.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل