أقلام الثبات
في حزيران 2025، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب "النصر" على إيران بعد عدوان استمر 12 يوماً، وادَّعى تدمير ترسانتها النووية وضرب قدرات جيشها.
وفي تشرين الثاني من العام نفسه زار ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان واشنطن، وتم الاتفاق على إبرام وثيقة تعاون مشترك في مجال الاستخدام السلمي للطاقة النووية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، وفعلاً تم منذ أيام توقيع هذه الوثيقة بين وزيريّ طاقة البلدين، فسارع ترامب إلى التغريد أن تطبيع المملكة مع "إسرائيل" هو شرط التعاون النووي الأميركي معها، وجاءه الرد السعودي برفض التطبيع قبل قيام دولة فلسطينية، وغاب عن بال ترامب أنه منذ العدوان الثاني على إيران في نهاية شباط 2026، لم يُحقق نصراً يُخوِّله فرض شروطه على السعودية أو أية دولة خليجية، لأن إيران لم تُبقِ له قاعدة عسكرية قائمة، ولا جندياً أميركياً واقفاً على قدميه.
تغريدات ترامب الإنفعالية وغير المسؤولة لا تستحق التوقف عندها، لأن تغريدة منه تمحوها التغريدة التالية، سيما أن وثيقة التعاون النووي السلمي مع المملكة لم تأتِ على ذكر شرط التطبيع مع العدو الصهيوني، ولا الانضمام لما تسمى "إتفاقات أبراهام"، وهي ليست مع اليهود كديانة، لأنها في الواقع غير دينية، بل هي خضوع للسياسة الصهيونية، وهي اتفاقات يمكن تسويقها لدى حكام دولة الإمارات على سبيل المثال، لكن موقع السعودية العربي والإسلامي لا يسمح لها بمغامرة على حافة هاوية تؤدي إلى وأد القضية الفلسطينية.
والكرة الآن في ملعب ترامب، بعد الردّ السعودي الحاسم، خصوصاً بانتفاء وجود كلمة "تطبيع" في وثيقة التعاون بنسختيها الإنجليزية والعربية، علماً أن الموقف السعودي مُعلن وواضح وقطعي، سواء على لسان ولي العهد أو وزير الخارجية، خاصة بعد العدوان الصهيوني على غزة والضفة الغربية منذ عملية "7 أكتوبر"، وجاءت تداعيات الحرب مع إيران لتُثبت أن القواعد الأميركية لم تكفل حماية دول الخليج، بل عجزت حتى عن حماية نفسها، وبالتالي بدا الموقف السعودي أوضح من سواه: البحث عن بدائل للحماية الأميركية، سواء عبر التحالف مع باكستان، أو البحث عن إنشاء قوة إقليمية، قوامها مصر والسعودية وتركيا وربما باكستان، ولاحقاً قد تنضم إيران ضمن إطار "الوحدة الإسلامية" بهدف الاستغناء عن الهالة الأميركية التي سقطت هيبتها في مضيق هرمز.
و"وثيقة التعاون النووي" بين واشنطن والرياض استغرقت مباحثات لسنوات، ليس فقط لبحث التفاصيل الفنِّية ومسألة تخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية، بل لأن ثقة المملكة بـ"توقيع" أي رئيس أميركي باتت معدومة، نتيجة التجربة الإيرانية المرتبطة بالملف النووي.
والتجربة الإيرانية شرحُها بسيط: الرئيس باراك أوباما وقَّع الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، بحضور دول خمسة زائد واحد (الدول الخمس الكبرى وألمانيا)، ليأتي ترامب ويمسح توقيع أوباما عام 2018، دون أي اعتبار ولا احترام للدول الراعية، إضافة إلى السمعة السيئة لترامب من حيث نقض المواثيق والعهود، وأحسنت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل عندما قالت عنه خلال ولايته الأولى: "هذا الشخص لا توضع اليد في يده".
والتوقيع على وثيقة التعاون النووي للأغراض السلمية، يدخل ضمن خطة 2030 للأمير محمد بن سلمان كما ذكرت وسائل الإعلام السعودية، بهدف التنويع في مصادر الطاقة، لكن التوافق المبدئي قبل حرب الأربعين يوماً على إيران، ربما تحوَّل بعدها إلى "توافق حَذِر" لدى القيادة السعودية، لأن القواعد الأميركية في المملكة كما في سائر دول الخليج باتت تخضع لمعايير "تقييم الجدوى" من جهة، وحدود السيادة السعودية عليها من جهة أخرى.
ولا يخفى على أي متابع، أن القواعد الأميركية في الشرق الأوسط كانت تتمتع بـما يشبه "حصانة السفارات"، بحيث كما تُعتبر "الحقيبة الدبلوماسية" غير خاضعة للتفتيش حتى ولو كانت حقائباً أو مستوعبات ضخمة، فإن القواعد الأميركية كانت تتمتع بنفس الحصانة، دون أن يكون للدول المستضيفة حق العلم والخبر بهبوط طائرة وإقلاع طائرة، كائناً ما كانت مهمتها وحمولتها ووجهتها.
والمفارقة التي تسبب إحراجاً للسعودية بعد الخيبة الأميركية بمواجهة طهران، أن المملكة قد تكون الدولة الخليجية الوحيدة التي بإمكانها الاستغناء عن القواعد الأميركية، خاصة بعد عقدها إتفاقية دفاعية مع باكستان، وإمكانية دخولها في حلف شرق أوسطي مع مصر وتركيا، لكن من الصعب على القيادة السعودية في الوقت الحاضر "طرد" القواعد الأميركية رغم عدم جدواها في الدفاع، لكن التقارب السعودي الإيراني الذي حصل برعاية صينية قد يكون أصيب بخدوش، إنما لم ينكسر نهائياً خلال العدوان الأميركي الصهيوني على إيران والردود الإيرانية القاسية على أراضي ومصالح دول الخليج، وبالتالي، بقاء التفاهم الإيراني - السعودي ضرورة سيادية للشرق الأوسط، بعد فشل تطويع إيران ورفض المملكة كل مغريات التطبيع مع العدو الصهيوني.
رسالة إلى أخي الحبيب أمين "العميد المقاوم" رفيق السلاح في ذكراه الثانية _ د. نسيب حطيط
مسار «اتفاق الإطار»: اعترافٌ "بإسرائيل" وإلغاء هوية جبل عامل.. و"إعدامٌ" للمقاومة _ د. نسيب حطيط
الحرب في المنطقة: مأزق الجميع... وفرصة لبنان _ د. ليلى نقولا