الحرب في المنطقة: مأزق الجميع... وفرصة لبنان _ د. ليلى نقولا

الإثنين 27 تموز , 2026 01:34 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

‏دخلت المنطقة ومعها لبنان في مرحلة شديدة التعقيد، فمن ناحية تبدو جميع الأطراف مأزومة، بنسب متفاوتة، فلا قدرة للأطراف حالياً (الأميركي و"الاسرائيلي" والإيراني) على تسييل النتائج الميدانية في اتفاقيات يمكن تسويقها كانتصار، ولا عودة الحرب مع إيران ستؤدي الى نتائج مختلفة عن مسار الحرب المباشرة التي حصلت في الأشهر الماضية. ومن ناحية أخرى يختلف التقييم "الاسرائيلي" للحرب ونتائجها عن التقييم الأميركي، وسيصرّ نتنياهو في زيارته المرتقبة على الرئيس الأميركي الاستمرار في الحرب حتى "سقوط النظام الايراني أو اضعافه الى حدٍ كبير"؛ كما قال في مقابلة مع فوكس نيوز أمس.

‏أثبتت الأشهر الماضية، أي مرحلة الحرب وما بعدها، أن إيران تمتلك أوراق قوة مهمة، سواء عبر موقعها الجغرافي أو عبر شبكة تحالفاتها الإقليمية، أو حتى قدرتها العسكرية على الردّ على الضربات الأميركية. وواقعياً، الاستنزاف الذي حاول الأميركيون تطبيقه بعد مذكرة التفاهم لم يثمر، بل أظهرت إيران قدرة على تحويل جزء من كلفة الاستنزاف إلى الطرف الأميركي، بدليل الضغوط التي تعرضت لها منظومات الدفاع الجوي الأميركية.

‏ويشكّل الاعلان عن استنزاف مخزون الصواريخ مؤشرًا استراتيجياً يتجاوز البعد العسكري المباشر، فالدول الكبرى نادراً ما تكشف تفاصيل تتعلق بمخزونها من الذخائر الدفاعية خلال الأزمات، إلا عندما تصبح هذه المسألة جزءاً من عملية صنع القرار السياسي والعسكري. 
‏ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن التوقف عن التصعيد وإعطاء فرصة للمفاوضات تحكمه اعتبارات ميدانية نتيجة حسابات القوة والموارد والكلفة، وايضاً اعتبارات سياسية داخلية مرتبطة بالانتخابات الاميركية والانتقادات المتزايدة للحرب داخل الولايات المتحدة.

‏أما من ناحية إسرائيل، فإن مكابرة نتنياهو لا تلغي أن نتائج حرب إيران الميدانية، واستنزاف مخزون الصواريخ الأميركي، سيؤثر على "إسرائيل" استراتيجياً كما يلي:

‏أولاً: تعتمد "إسرائيل" بدرجة كبيرة على المظلة الدفاعية الأميركية، سواء عبر أنظمة أميركية منتشرة في المنطقة أو عبر الإمداد المستمر بالذخائر الاعتراضية والتنسيق العملياتي مع واشنطن، وبالتالي فإن أي نقاش داخل المؤسسة الأميركية حول محدودية المخزون يعني أن الدعم العسكري وتوسيع الحرب في المنطقة، وإن لم يتوقف، يصبح خاضعاً لأولويات وحسابات أكثر تشدداً.

‏ثانياً: يكشف الأمر أن قدرة الولايات المتحدة على خوض حرب استنزاف طويلة ضد إيران باتت محدودة، ومن منظور "إسرائيلي"، هذه نقطة هامة وحساسة، لأن الاستراتيجية "الإسرائيلية" تقوم على أن أي مواجهة مع إيران تستند بالضرورة إلى انخراط أميركي كبير ومستدام، لكن عندما يتحدث البنتاغون عن استهلاك الذخائر وكلفة العمليات والاستعداد لمواجهة محتملة مع الصين، فإن ذلك يقلص ما يمكن أن يطلبه نتنياهو من ترامب حول عودة الحرب على ايران.

‏ثالثاً: يمنح هذا الواقع وزناً أكبر للمسار التفاوضي؛ يفضّل نتنياهو عودة الحرب، لكن المصالح الأميركية تدفع باتجاه إعطاء الأولوية للمسار التفاوضي ولتطبيق مذكرة التفاهم، التي تراها "إسرائيل" ومعها الكثير من أعداء إيران في المنطقة أنها تضرّ بموازين القوى لصالح إيران بشكل كبير.

‏رابعاً: بالنسبة للبنان، إن النتيجة الأهم هي أن "إسرائيل" لن يكون بمقدورها العودة الى توسيع الحرب على لبنان ساعة تشاء. عندما تكون هناك قيود على الموارد الأميركية وتردد في توسيع الحرب الإقليمية، يصبح من الصعب على "إسرائيل" فتح مسارات تصعيد جديدة ومكلفة (إن لم تحصل على غطاء أميركي).
‏ وعليه، إن رسالة المرشد الإيراني وربطه مسار لبنان والانسحاب "الإسرائيلي" منه بمفاوضات إيران مع الولايات المتحدة قد يكون استباقاً لمحاولة أميركية "إسرائيلية" تمّت تجربتها سابقاً (تهدئة مع إيران تفيد ترامب، وتصعيد في لبنان يفيد نتنياهو)، وهكذا، تقول إيران صراحة إن أي تصعيد في لبنان سيؤدي الى تصعيد في المنطقة، واي مفاوضات سيكون لبنان بنداً أساسياً فيها. 
‏وبالتالي، كلما ازداد الميل الأميركي نحو التهدئة مع إيران، ازدادت أهمية الحفاظ على الاستقرار في الجنوب اللبناني، باعتباره أحد الشروط الضرورية لمنع انهيار مسار التفاوض الأوسع.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل