لا للانهزام النفسي... فالاستسلام خطيئة _ د. نسيب حطيط

الأحد 26 تموز , 2026 01:01 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
استطاع التحالف الأمريكي - "الإسرائيلي" تدجين العقل العربي والإسلامي والتحكم به، لتصدير الأفكار والفتاوى، وصناعة سلوكيات تخدم المشروع الأمريكي - "الإسرائيلي"، وتخفف الأثمان لإقامة "إسرائيل الكبرى" والشرق الأوسط الأمريكي على أنقاض الأمة العربية والإسلامية.
يتقدم المشروع الأمريكي - "الإسرائيلي" على ثلاثة محاور ثقافية ودينية واقتصادية، حيث يعتمد استراتيجية الحرب الناعمة طويلة الأمد، حتى لو امتدت لسنوات عشر أو أكثر، مادامت تسير في اتجاه إسقاط الشعوب والأنظمة والعقيدة، لتحقيق الهزيمة النفسية والدينية للشعوب، ودفعها لمقايضة بقائها وتسليم سلاحها، وتغيير عقيدتها، مقابل السماح لها بالعيش وفق الشروط الأمريكية و"الإسرائيلية"، والذي لن يكون عيشاً عزيزاً.
ارتكبت الدول العربية خطيئة استرضاء العدو "الاسرائيلي" عبر "مبادلة السلام بالأرض" التي احتلتها "إسرائيل" بالقوة، وفق استراتيجية التنازل عن الأغلى الثابت (الأرض)، مقابل الوهم المتحرّك (السلام) الذي لا تؤمن به "إسرائيل" ولا أمريكا إلا إذا كان وفق "السلام بالقوة".
لقد رفض رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل سياسة الاسترضاء التي مارستها بريطانيا وفرنسا بالتنازل عن أجزاء من تشيكوسلوفاكيا لأدولف هتلر في اتفاقية ميونخ 1938، معتبراً أن استرضاء هتلر سيدفعه إلى الطمع وفرض مطالب أخرى ومع معرفته بصعوبة الصمود بمواجهة هتلر، لكنه قال "خير لك أن تقاتل حتى لو كان النصر غير مؤكد، من أن تستسلم فتُساق إلى الإذلال دون مقاومة".
إن الخطر الكبير الذي تتعرض له الأمة ومحور المقاومة الآن — وهو المقاتل الأخير على ثغورها بمواجهة الغزاة والمحتلين — هو الحرب النفسية الناعمة، التي تغلق كل أبواب ونوافذ النجاة أمام المقاومين وأهلهم، مع تجميل صورة الاستسلام والاستعباد، وإظهار المقاومين سبباً في الخراب واستدراج المحتلين، وقراءة الصفحة الأخيرة من الحرب، وإغماض العين عن كل التاريخ المتوحش للعدو "الإسرائيلي"، لعزل المقاومين عن بحرهم الشعبي الذي يمثل آخر حصون الحماية والدفاع والدعم لهم.
إذا نجح التحالف الأمريكي - "الإسرائيلي" وحلفاؤه وأدواته في هذه الحرب، ستكون نتائجها أخطر وأشمل من الحرب العسكرية التي تدمر العمران والبيوت، والتي يمكن إعادة تحريرها وإعمارها عاجلاً أو آجلاً، أما تدمير العقل والفكر المقاوم فسيحتاج إلى أجيال لإعادة إحياء مفاهيم "الحرية والاستقلال والتحرر وحفظ الحقوق"، ويتوزع أغلب المثقفين وعلماء الدين والنخب الفكرية والإعلامية على أربع فئات:
المثقف المحايد السلبي: بناءً على الفهم الخاطئ بأن المستهدف هو المقاوم المسلّح، وأن المثقف بالكلمة والفكرة خارج إطار الاستهداف، مع أنه عند غزو أي جيش لدولة، فإن أول خطوة يقوم بها المحتل هي قتل العلماء والمفكرين، كما حدث في العراق وسوريا وإيران، وحتى مع المقاومة الفلسطينية.
المثقف المسترزق: سواء كان عالم دين، أو إعلامياً، أو ناشطاً اجتماعياً وسياسياً، حيث يوظف لسانه وفكره في خدمة من يدفع له، ويحارب أعداء أمريكا و"إسرائيل" حتى لو كانوا أهله وطائفته وشعبه.
المثقف الشامت الذي تم استبعاده والتنكيل به من محور المقاومة، فصار منبوذاً في مجتمعه وجامعته وقريته ونقابته ما لم يكن منتمياً حزبياً، فتم إعدامه اجتماعياً ووظيفياً مع أنه ليس ضد المقاومة —فأكثر المُستبعدين كذلك — فيعتقد أن القضاء على الذين أبعدوه يحقق ثأره منهم دون أن يكون شريكاً فيه.
المثقف المقاوم الملتزم (مقاوم متطوّع- على بعل)  الذي بقي وسيبقى شريكاً في المقاومة للمشروع الأمريكي - "الإسرائيلي"، رغم كل الطعنات التي تعرّض لها من أحزاب المقاومة استبعاداً وحصاراً واتهاماً، لأنه يعتبر نفسه مقاوماً بالفطرة والتكليف الإلهي والإنساني، فيتجاوز كل الإساءات وفق معادلة “الأولى والأهم" وهي حفظ المشروع المقاوم بعيداً عن أشخاصه وأحزابه وهؤلاء هم الخميرة الفكرية للمشروع المقاوم، سواء بقي محور المقاومة مسلحاً أو تم نزع سلاحه، فسيكون هؤلاء المثقفون المقاومون كنز المقاومة للأجيال القادمة.
ندعو الإخوة المثقفين وأصحاب الرأي والفكر والكلمة والمقالة لإعلان النفير العام الفكري والثقافي والإعلامي، لمنع المجتمع المقاوم من الانهزام النفسي والانزلاق إلى الاستسلام المميت دون مبرر، فالحرب لم تنتهِ بعد، ولم تنتصر أمريكا و"إسرائيل" بشكل مطلق، ولم ينهزم المقاومون بشكل مطلق أيضاً، والحروب بخواتيمها، فإذا استطعنا تحصين العقل والفكر للمجتمع المقاوم، ليكون الذراع الثانية للمقاومين الكربلائيين في الميدان، فلن ننهزم، كما لم ينهزم الأنبياء والصالحون حتى لو قُتلوا أو تعرضوا لمحاولات الصلب والتهجير والسجن، فبقي مشروعهم الديني، رغم تفوق وغلبة أعدائهم بالقوة.
قاوموا بالكلمة والصورة واللوحة والسينما... فالبندقية وسيلة للمقاومة، وليست كلّها.
إن لم نستطع الانتصار... فعلينا ألا نستسلم وألا نتنازل.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل