أقلام الثبات
في خضم التصعيد المستمر بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، يظهر فشل التصور الأولي للمخططين للحرب بسقوط النظام في إيران عبر الحملات الجوية المكثفة والضربات العنيفة من الجو، وهو أمر معروف في الحروب الحديثة. إن المراهنة على الضربات الجوية والصاروخية لإحداث تغيير سياسي جذري في إيران تتجاهل الجغرافيا والتكنولوجيا، وتصطدم بالدرجة الأولى بالإخفاقات التاريخية للمدارس الكلاسيكية.
كيف سقطت الفرضيات الأساسية التي توقعت سقوط النظام؟
1) فرضية الشعب سيتثور:
أقنع نتنياهو الرئيسَ الأميركي دونالد ترامب بأن قصف المدنيين سيؤدي إلى ثورة شعبية تُسقط النظام.. لكن الحرب لم تؤدِّ الى ثورة داخلية. واقعياً، إن الرهان على أن الضغط العسكري سيولد انفجاراً داخلياً، يتجاهل النظريات الكلاسيكية التي تقول إن الشعب يصبح خلال الحرب في فترة "جمود ذهني"؛ فالسكان تحت وطأة التهديد الوجودي يميلون للانكفاء نحو تأمين البقاء الشخصي والالتفاف حول "الدولة الحامية" ضد المعتدي الخارجي، وبسبب الحس القومي العالي للإيرانيين، أي قصف يستهدف العمق الإيراني سيُترجم داخلياً كعدوان قومي، مما يعزز شرعية النظام ويضعف قوى المعارضة التي ستُتهم فوراً بالعمالة لمن يقصف إيران.
2) فرضية انهيار الاقتصاد
في الشق الآخر من استراتيجية القصف العنيف الذي سيسقط النظام، نجد أن هناك محاولة ايضاً لاستهداف البنى التحتية لإيران، لشلّ العصب الاقتصادي، وبالتالي سقوط النظام تحت ضغط الاقتصاد، وهي نظرية معروفة وطُبِّقت تاريخياً.
لكن النظام الإيراني طوّر على مدى عقود ما يسمى "اقتصاد المقاومة"، لذا فإن استهداف المنشآت النفطية أو البنية التحتية، رغم كلفته الباهظة، لن يؤدي إلى شل القدرة العسكرية فوراً، بسبب تعرّض إيران للتهديد على مدى عقود، فقد استعدت لهذا السيناريو، ووضعت الكثير من المنشآت تحت الجبال، مما يجعل من الصعب القضاء عليها كلياً من الجو. كذلك، تشير التجارب التاريخية أن الاقتصادات العقائدية والموجهة تمتلك قدرة عالية على "التكيف والالتفاف".
3) فرضية الانقلاب داخل النظام نفسه
تشير الدراسات إلى أن القوة الجوية تنجح فقط عندما يكون النظام السياسي هشاً يعاني من انقسامات حادة داخل نخبته الاستراتيجية (كما حدث في إيطاليا 1943). أما في إيران، فإن بنية السلطة التي تتداخل فيها العقيدة الأيديولوجية بالمصالح القومية، والمرتبطة بمركز قرار موحّد (المرشد)، تجعل من الدعوات التي يطلقها ترامب للتمرد تعطي نتائج عكسية كتحدٍّ وجودي يتطلب الرد لا الاستسلام.
ختاماً، يبقى القصور الجوهري في رؤية ترامب - نتنياهو متمثلاً في إهمال حقيقة أن القوة الجوية، مهما بلغت قوتها وعنفها، تبقى أداة تدمير وليست أداة "تغيير".
إن محاولة إسقاط نظام متجذرٍ في جغرافيا معقدة كإيران، وتعايَش مع عقود من العقوبات، ويمتلك بعداً عقائدياً دينياً... لا يمكن توقع نجاحها عبر قصف جوّي فقط دون تدخل بري شامل، وهو ما يدرك الأميركيون كلفته الكارثية، وتقريباً استحالة حصوله بدون غرق في مستنقع إيراني.
لبنان المقاوم: الوطن ليس للبيع .. والأرض ليست ورقة تفاوض ـ محمد دياب
حكومة التطبيع.. وبقايا 82 والحرب الأهلية _ د. نسيب حطيط
حكومة التطبيع.. وخطيئة التعويض للعدو عن حربه الفاشلة _ د. نسيب حطيط