سقوط "القواعد الأميركية".. وكل قواعد الاشتباك _ أمين أبوراشد

الجمعة 13 آذار , 2026 03:50 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

حين ردَّت إيران على العدوان في شهر حزيران الماضي، بقصف قاعدة "العديد" الأميركية في قطر، اعتبر البعض أنها مجرد مسرحية لوقف الحرب التي دامت 12 يوماً، وبادر بعض الإعلام الخليجي الى التنديد، لكن ضابطاً كويتياً سابقاً قرأ ربما أفضل من سواه، ووجَّه كلامه إلى دول مجلس التعاون الخليجي وقال: "ابلعوها واسكتوا، لدينا منشآت يجب أن نخاف عليها، ولن تحمينا القواعد الأميركية".

قادة الدول الخليجية "بلعوها وسكتوا"، وأعلنوا عدم السماح باستخدام القواعد الأميركية لضرب إيران في الحرب الحالية، لكن إيران لم ترَ في هذه القواعد المترامية في صحارى العرب حاجة عربية، أو قومية، أو إسلامية، سوى أنها أُنشئت على وقع التهويل الأميركي من مخاطر "النووي الإيراني" الذي كلَّف الدول الخليجية تريليونات الدولارات على مدى عقود من التسليح، ونفذ صبر إيران في العدوان الأخير من قواعد ورادارات ترصد كامل الشرق الأوسط، وصَامَت عن الصبر، وأفطرت خلال ساعات على منشآت استغرق بناؤها سنوات وعجزت حتى عن حماية نفسها من الصواريخ الإيرانية.

وبصرف النظر عن تداعيات العدوان لغاية الآن، سواء على دول الخليج أو على إيران نفسها، فإن الموقف الأميركي من وقف الحرب يعتمد على الخطاب الزئبقي للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي لا تطلع شمس على قرار له وتغيب على نفس القرار، وبات أضحوكة العالم ونوادر مستشاريه، الذين حمَّلهم منذ ساعات مسؤولية تقديراتهم السيئة التي دفعته للهجوم على إيران، ويبدو أنه لا يمتلك خيار "اليوم التالي" لوقف هذه الحرب، سيما أنه لا يستطيع إعلان "النصر" عبر كلمات إنشائية لا قيمة لها، منها على سبيل المثال ما سبق وقاله: قضينا على القدرات النووية لإيران، وهو لم يقضِ، أو دمرنا قواعد صواريخها الباليستية، وهو أصاب مجسمات بلاستيكية صينية منفوخة بالهواء، أو أنهينا قواتها الجوية والبحرية، علماً أن إيران لا تمتلك طائرات حربية سوى تلك التي تعود لزمن السبعينات وورثتها من حكم الشاه، ولا أسطولاً بحرياً نتيجة الحصار الخانق الذي منعها من تجديد المتقادم لديها، وكل مقدراتها الدفاعية  والهجومية هي في الصواريخ المحلية الصنع التي أرعبت بها الأميركي والصهيوني وتحدَّت بها كل التقنيات الحديثة، وهي تستمر في إنتاجها على مدار الساعة، إلى جانب المُسيَّرات حتى في ظروف الحرب ومواجهة العدوان.
     
آخر قرارات الرئيس ترامب، رغبته بوقف الحرب، وتسويق ذلك عبر وساطة إيطالية وأخرى عُمانية، لكن الرد الإيراني جاء مشروطاً بثلاثة بنود: احترام كامل حقوق إيران السيادية، دفع تعويضات لها عن أضرار العدوان الحالي، ضمانة دولية موثوقة بعدم تكرار العدوان عليها مستقبلاً، وخلاف هذه الشروط ترفض إيران لغاية الآن وقف هذه الحرب، التي انهارت فيها كل قواعد الاشتباك، بعد أن دمرت إيران 17 منشأة أميركية، بين قواعد ورادارات، في الدول الخليجية.

وبمقدار ما تحمل شخصية ترامب من اهتزازات وتقلبات وتناقضات، جاءت الكلمة الأولى للمرشد الأعلى الإيراني الجديد السيد مجتبى خامنئي ثابتة على الثوابت، قاطعة بلا التباس، وجازمة شاملة لا تحتمل التأويلات؛ أن إيران الآن في الموقع الأقوى منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، وهي كما طردت أميركا من أراضيها في ذلك العام، قررت على لسان المرشد طرد كافة القواعد الأميركية من الخليج، سواء عبر الطرق الدبلوماسية مع الدول ذات العلاقة، أو بالقوة كلما حاولت أميركا إعادة ترميم قواعدها، وأكد المرشد على ما سبق وذكره الرئيس مسعود بزشكيان،  أن السبيل الوحيد لإنهاء الحرب هو الاعتراف بحقوق إيران، ودفع تعويضات، وتقديم ضمانات ضد أي عدوان مستقبلي، وأضاف المرشد أن أي تخلُّف عن دفع التعويضات، سيُلزم إيران بتدمير ما يعادلها من مصالح العدو. 

وليس هناك ما يقلق في تغيير قواعد الاشتباك، إذا اقتصرت الأمور على إغلاق مضيق هرمز مؤقتاً، وارتفاع أسعار النفط، مع ما يترتب عن ذلك من ارتفاع كلفة المعيشة على مستوى العالم، ولا إغلاق هرمز سيخنق دول الخليج لجهة تأمين المواد الاستهلاكية، بل الخوف كل الخوف أن تدخل الحرب مرحلة الفوضى المرعبة، التي قد تهدد حياة البشر بيئياً في إيران ودول الخليج، ولن يدفع ثمنها الأميركيون الذين هربوا من قواعدهم المدمرة، وحاملات الطائرات المثقوبة والبوارج المنكوبة الجاهزة لإعادتهم إلى بلادهم، تاركين خلفهم فوضى التدمير الممنهج الذي قد يفتك بحياة البشر، وهذا الفتك قد يحصل من تنشق نسمة هواء ملوَّثة أو تجرُّع نقطة مياه تحمل جزيئات مُشِعَّة.

ما يحصل حالياً في إيران، أن "المطر الأسود" يرعب الإيرانيين، ومغردون يحذرون من آثاره الكارثية، نتيجة استهداف منشآت صناعية ونفطية في إيران خلال الهجوم الأمريكي "الإسرائيلي" واندلاع حرائق ضخمة، ما دفع منظمة الصحة العالمية للتحذير من احتمال حدوث ما يُعرف بالمطر الأسود، الذي يشكل خطورة على حياة الناس، كما حذّر كريستيان ليندماير المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، وما يصاحب هذا المطر من مركبات حمضية تُشكِّل خطراً مباشراً على السكان، خصوصاً على الجهاز التنفسي، وأن هذا المطر - وبسبب التلوث الناتج عن القصف والحرائق والانفجارات - يصبح حاملاً لمواد كيميائية حمضية خطرة جداً على الكائنات الحية. 

الخوف على الحياة البشرية يأتي أيضاً من مخاطر إصابة مفاعل "بوشهر" النووي إلى الجنوب من طهران، وهذا المفاعل الذي بنته شركة الطاقة النووية الحكومية الروسية (روساتوم)، أعلنت روسيا إجلاء جزء من موظفيها العاملين فيه خشية إصابته وتسرُّب الإشعاعات النووية منه، والتي قد تتسبب بتلويث مياه البحر في محيط بلدان الخليج التي تعتمد بنسبة 40 الى 60 بالمئة من مياه الشرب على محطات تحلية مياه البحر، ويُخشى على الخليج الذي أمضى عقوداً من الخوف على خلفية الملف النووي الإيراني، وأهدر ثروات لمنفعة لوبي الأسلحة الأميركي، أن تبلغ فيه الأمور سقوط قواعد الاشتباك والانتحار بالنووي.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل