أقلام الثبات
وسط ظروف استثنائية وتحت النار، اضطر المرشد الجديد للجمهورية الإسلامية؛ السيد مجتبى الخامنئي، لإصدار "البلاغ رقم واحد" الذي يغلب عليه الطابع العسكري والسياسي أكثر منه بيان ديني وإرشادي، حيث إن انتخابه كان ولادة قيصرية فرضتها الحرب وعملية الاغتيال الغادر للمرشد وضرورات المعركة، وبصفته "جريح حرب"، ما فرض عليه إصدار بيان لقيادة الحرب وتنظيمها، بدلاً من بيان فقهي وإرشادي ديني.
إن فهم مضمون البلاغ الأول لـ"المرشد الجريح" يستدعي تسليط الضوء على أن انتخاب الإيرانيين له كان لاعتبارات سياسية ومعنوية، فضلاً عن امتلاكه للمواصفات والشروط المطلوبة، ولإلغاء إحدى أبرز مكاسب وانتصارات الثنائي "ترامب - نتنياهو"، المتمثلة باغتيال المرشد السابق السيد علي الخامنئي، فانتخاب ابنه يُبقي مصطلح "المرشد الخامنئي" حيًا في الأدبيات السياسية ووسائل الإعلام، ويحافظ على صورة المرشد المغتال حية (بالمعطيات السياسية والإعلامية والعاطفية) ويمكن تلخيص أهم النقاط والمفاهيم الواردة في البلاغ رقم واحد للمرشد الخامنئي فيما يلي:
- تعهد المرشد مجتبى الخامنئي بالاستمرار على نهج سلفه؛ مؤسس الثورة الإمام الخميني، وراعيها السيد الخامنئي، دون أي تراجع أو تغيير في أسس النظام.
- الثناء على الشعب الإيراني والإقرار بدوره في ملء الفراغ القيادي الذي أعقب استشهاد المرشد وقيادات الثورة، حيث تبنى المرشد الجديد وأثنى على ثنائية قيادية قوامها (ولاية الفقيه وولاية الأمة) أو ولاية الشعب عند حدوث فراغ في القيادة الأولى، ويُعد هذا من المفاهيم الفقهية المستحدثة التي تتبنى هذه الثنائية، وتعتمد على دور الجمهور في دعم "الولي الفقيه" لترسيخ موقعه، استنادًا إلى مشروعيته الدينية وتأييد الجمهور العام.
- التركيز على الثقافة والشعور والواجب الوطني الإيراني لتعزيز الوحدة الوطنية والقومية، وذلك لتجاوز الخلافات المذهبية والسياسية، وحشد الشعب بجميع أطيافه (الموالية والمعارضة) للدفاع عن إيران كوطن، بدلاً من الدفاع عن مشروع سياسي أو ديني أو مذهبي بحت.
- الإعلان عن تنفيذ القصاص الانتقامي (الثأر) للمرشد والقادة والمواطنين، مع التركيز على أن هذا الانتقام لا يقتصر على المرشد وحده، بل سيمتد ليشمل كل مواطن إيراني تضرر، والتعهد باستمراره عمليات الثأر لتحقيق العدالة وفق المعايير الإيرانية.
- إعلان المرشد الأعلى خامنئي دراسته فتح جبهات جديدة وتوسيع محاور القتال في دوائر مستحدثة، تفتقر قوى العدو للخبرة بها ولا تدرك منظومتها.
- التأكيد الواضح على أن مضيق "هرمز" يمثل أحد الأسلحة الاستراتيجية الإيرانية، وسيتم توظيفه بالشكل الأمثل؛ بما يخدم مصالحها في حربها الموسعة دون قيود أو خطوط حمراء.
- استحداث منهج جديد للتعويضات، يعتمد التدرج في تحصيلها عبر الأطر القانونية الدولية، وفي حال تعذر ذلك، ستلجأ إيران لتحصيلها بالقوة ووفقًا لما تراه مناسبًا وتحدده من أرقام، لكن الأخطر أنه في حال عدم التحصيل القانوني أو القهري، فستلجأ إيران لمنظومة "تعادل الخسائر" عبر إلحاق الضرر والخسارة بالمعتدي (أمريكا و"إسرائيل") ومصالحهما الاقتصادية والعسكرية.
- متابعة تحقيق الهدف الذي أعلنه "المرشد الأب" الشهيد بوجوب انسحاب القوات الأمريكية من "غرب آسيا" وتطهير المنطقة منها واستعادة القرار لدولها، وهو ما تجلّى في البلاغ رقم واحد الذي دعا دول المنطقة إلى إغلاق القواعد الأمريكية على أراضيها وإلا ستصبح هدفًا للقصف الإيراني.
- الإعلان عن توحيد جبهات "محور المقاومة" عسكريًا واعتبارها جزءًا من قيم وثقافة الثورة الإسلامية، وإبراز دور المقاومة اللبنانية في إسناد إيران، مما يفرض وحدة الجبهات السياسية وقرارات وقف إطلاق النار وعدم الفصل بينها، ونفي "موت" محور المقاومة، بل الإعلان عن ولادته بنسخة معدّلة جديدة.
يشكل البلاغ رقم واحد للمرشد "الخامنئي الثاني" إعلان الولادة الثانية للثورة الإسلامية في إيران، فإذا كانت الولادة الأولى عام 1979 قد أخرجت "إسرائيل" من إيران وأدخلت إيران في قلب الصراع العربي - "الإسرائيلي"، فإن الولادة الثانية قد تُخرج أمريكا من المنطقة أو تُقَيِّد حركتها وتُضعف سيطرتها المطلقة عليها.
ما طرحه المرشد "الخامنئي الثاني" يؤكد أن الحرب هي حرب وجودية مفصلية لا يمكن التراجع عن استمراريتها حتى تأمين الأمن المستدام لإيران وأطراف محور المقاومة لعقود قادمة، مما يؤشر إلى سخونة الأيام والأسابيع القادمة لتحقيق هذه الأهداف، وفي حال عدم تحقيقها، فستكون هزيمة كبرى لإيران ومحور المقاومة، ويسهّل ولادة "إسرائيل الكبرى" و"الشرق الأوسط الجديد" و"الديانة الإبراهيمية"، مما يفرض على دول المنطقة العربية والإسلامية التحرك لدعم إيران قبل أن تصل المقصلة الأمريكية - "الإسرائيلية" إلى رقابهم، وفي أسوأ الأحوال بقاؤها على الحياد وعدم دعم التحالف الأمريكي - "الإسرائيلي".
قراءة في البلاغ رقم واحد للمرشد الجديد _ د. نسيب حطيط
الجمعة 13 آذار , 2026 01:55 توقيت بيروت
أقلام الثبات
الحرب "الإسرائيلية" على الأطفال والعائلات: "الهولوكوست الشيعي" في لبنان _ د. نسيب حطيط
الصواريخ التي ترجم الشيطان الأصغر "الإسرائيلي" _ د. نسيب حطيط
مأزق واشنطن في مواجهة إيران