أقلام الثبات
على وقع صرخات المتظاهرين أمام الكونغرس: "أياديكم ملطخة بالدماء، أوقفوا الحرب القذرة على غزة وإيران وتوقفوا عن قتل الأطفال"، دخل وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، يرافقه رئيس هيئة الأركان دان كين، للإدلاء بشهادتيهما أمام لجنة رئيسية في مجلس الشيوخ، وذلك للمرة الأولى منذ تجدُّد الصراع العسكري بين الولايات المتحدة وإيران هذا الشهر.
وعلى وقع الهرج الذي أحدثه المتظاهرون، بهدف مقاطعة هيغسيث خلال إلقاء كلمته داخل القاعة للحصول على تمويل إضافي للحرب، اندلع في الداخل هرج آخر من المعترضين الذين دخلوا القاعة وتمَّ إخراجهم بوسائل قمعية شديدة، فيما توالت الاستجوابات من بعض النواب الرافضين لحرب لا يعرفون أهدافها، بل يشاهدون تداعياتها، ويشهدون على أنها أكثر الحروب حماقة منذ فيتنام والعراق وأفغانستان.
وتعرَّض بيت هيغسيث لموجة من الانتقادات الحادة والمواجهات العنيفة داخل مجلس الشيوخ من قِبل مشرعين ديمقراطيين، وذلك على خلفية تعثر العمليات العسكرية، وغياب الاستراتيجية الواضحة لإدارة الحرب مع إيران، والمطالبة بتمويل إضافي طارئ.
وأبرز محاور الهجوم كانت حول حرب إيران المتخبطة، وتناقض تصريحات الوزير بشأن تحقيق النصر مع استمرار الهجمات الصاروخية، وطالبه النواب بتوضيح تكلفة الحرب والآفاق المستقبلية لاستنزاف وزارة الدفاع، مع اتهامات من السيناتور "غاري بيترز" للوزير بالفشل، في حين رد "هيغسيث" متهماً إياه بـ"متلازمة اضطراب ترامب"، ثم انبرى السيناتور جون أوسوف لاستجواب الوزير بشأن حقيقة تحييد القدرات الإيرانية، والادعاءات الكاذبة المتكررة على مدى أشهر بالقضاء على هذه القدرات.
وفي الوقت الذي حاول كل من وزير الحرب ورئيس الأركان المطالبة تأمين تمويل إضافي للحرب بعشرات المليارات، قامت القيامة ولم تقعد بين النواب الديمقراطيين، وحين أعلن هيغسيث أمام لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ أن الحرب كلفت الولايات المتحدة 37.5 مليار دولار، اعتبر نواب أن التكلفة الفعلية قد تكون أعلى بكثير، وفقاً لما ذكره خبراء لشبكة CNN.
هنا ذهب هيغسيث بعيداً في التهويل طلباً للتمويل، وقال: "الصين وروسيا تساهمان - بمستويات متفاوتة - في تمكين بعض الأنشطة الإيرانية"، وأضاف: هناك طرق عديدة لردع ذلك، لكن عمق هذه الأنشطة ونطاقها يُعتبر من الأسرار.
وعند سؤاله عن قدرة الجيش الأميركي على ضرب المنشأة النووية الإيرانية المشتبه بها، والواقعة تحت "جبل الفأس"، تحاشى هيغسيث الإجابة المباشرة قائلاً إن "الكثير من قدراتنا مصنفة كمعلومات سرِّية".
وفي مقالة له بعنوان : "قد تخسر الولايات المتحدة الخليج"، كتب مارك لينش؛ أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن:
"إن قصف إيران لجيرانها في الخليج، جرّهم على نحو لا فكاك منه إلى حرب كانوا يأملون بشدة تجنبها، رغم أن واشنطن حلمت دائمًا بتعاون عربي - إسرائيلي ضد إيران من دون حل القضية الفلسطينية، وها هو ذلك يتحقق، ولكن لم يعد بوسع دول الخليج أن تصدق أن الولايات المتحدة قادرة على حمايتها من التهديدات الوجودية أو راغبة في ذلك، وحتى وهي تُدفَع إلى التعاون العلني مع إسرائيل في حربها، فإنها ستنظر إليها على نحو متزايد بوصفها تهديداً لا حليفاً محتملاً".
ويتابع لينش في مقالته: "كان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في بدايات حكمه الفعلي، قد صعّد لهجته ضد الجمهورية الإسلامية وأبدى استعدادًا للتحرك العسكري، لكن تلك الأيام مضت منذ زمن، فقد صُدِم قادة الخليج بقدرة إيران وحلفائها على استهداف مصافي النفط الخليجية، لا بل إغلاق مضيق هرمز بكل بساطة وتهديد أمن الملاحة فيه".
وبالعودة إلى الداخل الأميركي، هناك معاناة يعترف بها البنتاغون حول نقص الذخيرة الباهظة الكلفة التي نفدت دون التمكن من مواجهة العتاد الإيراني الزهيد الثمن، وهناك نفاد أيضاً للإحتياطي النفطي الذي تم التفريط به للجم ارتفاع الأسعار، وفي الوقت الذي تعاني الولايات المتحدة من ركود اقتصادي غير مسبوق، تبدو إدارة ترامب وكأنها في بداية الحرب مع إيران، لأنها لم تحقق من أهداف الحربين السابقتين شيئاً، لكن أية حرب جديدة لن تحمل جديداً، سوى أن سياسة ترامب أبعدت الحلفاء عنه، وأبعدت التابعين أيضاً، الذين "كفروا" بحماية أميركية فشلت في حماية قواعدها، وسواء عاد ترامب إلى الحرب أو إلى المفاوضات، فهو حكماً باقٍ تحت المقصلة الإيرانية.
نهايات الحرب.. الكيفية والأسباب والنتائج _ يونس عودة
هل شرّع لبنان دخول "الشرع" لقتال المقاومة؟ _ د. نسيب حطيط
عندما دخلت غزة نهائي كأس العالم _ د. ليلى نقولا