خاص الثبات
لم تعد صورة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الخطاب الإعلامي الأميركي كما كانت تُقدَّم سابقاً بوصفه الرجل القادر على فرض إرادة الولايات المتحدة في العالم. فمع تطورات الصراع مع إيران، بدأت أصوات في الإعلام الأميركي تتعامل مع سياساته بقدر كبير من السخرية والانتقاد، معتبرة أن ما جرى لم يكن نصراً استراتيجياً بقدر ما كان خطوة أدخلت واشنطن في مأزق جديد.
في هذا السياق، أشار الصحافي في شبكة CNN، Jeremy Diamond، إلى أن نتائج السياسات الأميركية قد تبدو مفارِقة؛ إذ إن ما تحقق عملياً لم يكن إنهاء النفوذ الذي تسعى واشنطن إلى تقليصه، بل إعادة إنتاجه بصورة أخرى. هذه القراءة الساخرة تعكس اتجاهاً متنامياً داخل بعض الأوساط الإعلامية والأكاديمية في الولايات المتحدة التي بدأت تراجع جدوى سياسة الاغتيالات والتصعيد العسكري.
ولم يكن Norman Finkelstein بعيداً عن هذا المنطق حين استعاد تجربة Afghanistan، مشيراً إلى المفارقة التاريخية التي انتهت بعودة Taliban إلى الحكم بعد عقدين من الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة هناك. فقد أنفقت واشنطن تريليونات الدولارات وخاضت أطول حروبها المعاصرة، لكنها في النهاية وجدت نفسها أمام واقع سياسي يشبه إلى حد بعيد ما حاولت تغييره.
هذه المقارنة أعادت إلى الواجهة سؤالاً أساسياً: هل وقعت الولايات المتحدة في خطأ استراتيجي جديد في تعاملها مع Iran؟ فالتجارب التاريخية تُظهر أن التدخلات العسكرية الكبرى غالباً ما تخلق نتائج معاكسة لما خُطط لها. فبدلاً من إضعاف الخصم قد تؤدي إلى إعادة ترتيب صفوفه أو إلى تعزيز شرعيته الداخلية.
من هنا يمكن فهم موجة السخرية التي بدأت تظهر في بعض وسائل الإعلام الأميركية. فالسخرية ليست مجرد موقف سياسي، بل تعبير عن شكوك عميقة داخل المجتمع الأميركي حول جدوى السياسات الخارجية القائمة على القوة الصلبة. كثير من المحللين باتوا يتساءلون إن كانت واشنطن تعيد إنتاج أخطاء الماضي نفسها، سواء في Iraq أو Afghanistan.
أما على مستوى الخيارات المطروحة أمام الإدارة الأميركية، فإنها تبدو محدودة ومعقدة في الوقت ذاته. فالتصعيد العسكري الواسع يحمل مخاطر الانزلاق إلى حرب إقليمية كبرى في الشرق الأوسط، بينما قد يُفسَّر التراجع أو السعي إلى وقف إطلاق النار على أنه اعتراف ضمني بفشل الرهان العسكري. وبين هذين الخيارين تجد واشنطن نفسها أمام معادلة صعبة، حيث إن كلفة كل خيار قد تكون مرتفعة سياسياً واستراتيجياً.
في المقابل، تراقب القوى الإقليمية والدولية هذا المشهد باعتباره لحظة مفصلية في توازنات المنطقة. فالصراع مع Iran لا يُقرأ فقط في إطاره العسكري، بل في سياق أوسع يتعلق بمستقبل النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، وبمدى قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في لعب دور القوة المهيمنة كما كان الحال بعد نهاية Cold War.
وسط هذه التحولات، يبقى السؤال الأهم: هل تمثل هذه الأزمة بداية مرحلة جديدة في النظام الدولي، أم أنها مجرد حلقة أخرى في سلسلة الصراعات التي تعيد رسم موازين القوى من حين إلى آخر؟
الإجابة قد لا تتضح سريعاً، لكن المؤكد أن ما يجري اليوم يكشف حدود القوة العسكرية حين تُستخدم من دون رؤية سياسية بعيدة المدى، وأن التاريخ كثيراً ما يُظهر أن الحروب التي تُخاض لفرض الهيمنة قد تنتهي بنتائج لم يتوقعها صانعوها.
قد تسقط أنظمة... ولا يسقط النظام في إيران _ أمين أبوراشد
"إسرائيل" ترفض هدية الاستسلام المجاني من الحكومة اللبنانية _ د. نسيب حطيط
هل ترتكب السلطة “فاحشة" الاستعانة "بالجولاني" لنزع سلاح المقاومة؟ _ د. نسيب حطيط