سقوط أخلاقي ــ عدنان الساحلي

الأحد 08 آذار , 2026 12:14 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
يشهد لبنان سقوطاً أخلاقياً عاماً، تكشف المحنة التي يعيشها توسع هذا السقوط وانتشاره أفقياً وعمودياً، ليطال البلاد من رؤوس حكامها وسلطتها، ليشمل أدنى درجات المواطنية، باستثناء أولئك المضحين بالدماء والأرواح دفاعاً عن الأرض والشعب والكرامة، وعما تبقى من سيادة وطنية لم يهتم بها الذين عودونا على التشدق بها وادعاء حفظهم لها.
ومن يسمع كيف يتم استغلال النازحين، من الأماكن التي يعتدي عليها العدو "الإسرائيلي"؛ وكيف تهملهم الحكومة وأجهزتها "الشرعية"، يدرك حجم السقوط الأخلاقي الذي وصل إليه لبنان وناسه، من رؤوس الحكم، إلى أصغر ملّاك يؤجر بيته بعشرات اضعاف ما يستحق، أو أصغر تاجر يستغل الفرصة لينصب على المحتاجين و"يتشاطر" عليهم، بما يضاعف ربحه عشرات، لا بل مئات المرات، كيف لا وبعض اللبنانيين يفاخرون بأنهم من نسل "الفينيقيين"، أي أنهم تجار بالفطرة!
السقوط الأخلاقي والقيمي رافق لبنان واللبنانيين منذ أن ارتضوا أن تقيم لهم الدول الغربية "متصرفية" يحكمها أجنبي، لتكون خطوة على طريق افتعال وطن، من ضمن مشروع تفتيت وتقسيم المنطقة العربية، ليسهل على الدول الغربية الاستعمارية إنشاء كيان لقيط غريب أسموه "إسرائيل"، وهي الدول ذاتها التي شنت حروباً صليبية على الشرق العربي، خلال قرون سابقة.
كما أن وقاحة القائمين على المشروع الغربي – الصهيوني؛ وإسقاطهم كل الأقنعة التي سبق أن تخفّى مشروعهم خلفها، بإعلانهم الصريح عن سعيهم لإقامة "إسرائيل الكبرى"، بكل ما يرافق أفعالهم من قتل وإجرام وتهجير وتدمير، بحق ضحاياهم العرب في فلسطين ومحيطها، كشف عن لا اخلاقية كل من يساير هذا المشروع أو القائمين عليه، فكيف هو حال المعترفين به، ممن يريد المخطط الصهيوني جعلهم مجرد عبيد له واسترقاقهم، بعد احتلال أرضهم، أو طردهم منها، كما هو واقع الحال.
هذا الوصف ينطبق حرفياً على اللبنانيين والعرب ممن يرفضون مقاومة الغزوة الصهيونية، كما يرفضون قتالها، تحت شعارات تافهة مثل حب الحياة أو رفض الحرب والتمسك بالسلام. وكأن المتاح لهم العيش بكرامة وسلام في ظل هذه الهجمة الغربية والصهيونية، التي تعمل على احتلال بلادنا وسرقة خيراتها؛ واستعباد شعوبها، بقوة السلاح الغربي وبموجب أساطير "توراتية" مفبركة، يرفضها كثير من اليهود قبل غيرهم.
ولطالما تقدم حكام لبنان صفوف المتواطئين والأذلاء، أمام المشروع الصهيوني، ابتداء من بشارة الخوري، أول رئيس "استقلالي"، وغيره من كبار الساسة اللبنانيين، الذين باع بعضهم أملاكه في فلسطين للصهاينة، بمن فيهم جد رئيس حكومة عهد الرئيس جوزاف عون؛ نواف سلام، فكان عداء هؤلاء شكلياً ضد هذا المشروع، فيما كان تعاملهم من تحت الطاولة مع الوكالة اليهودية، ثم مع كل من حكم الكيان الدخيل، الذي يحتل فلسطين، لكن اوقح وأقذر نسخة من الحقارة والعمالة سرعان ما تكشف عن نفسها، عندما يجد هؤلاء الأذلاء، أن الفرصة متاحة لهم للاعتراف بكيان العدو "الإسرائيلي"؛ ولإقامة علاقات علنية معه، مثلما فعل عهد أمين الجميل، الذي ورث عن أخيه بشير تحالفاً سياسياً وعسكرياً مع هذا العدو، الذي لم يوقف تعديه على لبنان أرضاً وشعباً، منذ أن أنشأه المستعمر البريطاني فوق أرض فلسطين وعلى حساب شعبها. ويتكرر الأمر نفسه اليوم مع العهد الحالي وحكومته برئاسة نواف سلام، الذين فرضتهم السطوة الأميركية واختارت لهم وزراء الحكومة، بمشاركة كل من وافق وشارك وسكت على تنصيب هذه المنظومة، المتماهية مع كل ما يطلبه حكام "إسرائيل" ويصرحون علناً به. 
يقول سلام في أحد آخر تصريحاته: "إن قرار الحرب والسلم يجب ان يبقى بيد الدولة". ويضيف: "لم نختر الحرب ونرفض اي عمل عسكري ينفذ من الاراضي اللبنانية، خارج إطار المؤسسات الشرعية"، وهذا ادعاء غير صحيح، فقرار الحرب بيد العدو "الإسرائيلي"، أما الذي بأيدي سلام وحكومته، فهو قرار الاستسلام وتنفيذ أوامر العدو، فعندما واصل العدو تقدمه خلال الأيام القليلة الماضية، واحتل بلدات وقرى لبنانية في الجنوب، غابت حكومة سلام عن السمع والفعل، باعتبارها الجهة الشرعية، في اعتراف منها انها غير موجودة وغير شرعية. بل انها اعطت أمرا للجيش لينسحب ويتراجع عن الحدود إلى ثكناته، ليتبين ان الشرعية الحقيقية والواقعية في لبنان، هي المقاومة، فهي التي تقاتل دفاعا عن الأرض اللبنانية؛ وتقدم التضحيات الغالية في وجه العدو وذودا عن الشعب والسيادة والكرامة، المفقودة كما هو ظاهر للعيان لدى هذه الحكومة، التي ظلمها البعض عندما وصفوها بأنها حكومة المستسلمين، فإذا بها تتطابق بسياساتها مع حكومة نتنياهو المعادية. فهل هناك حكم وحكومة لديهم الحد الأدنى من الوطنية والكرامة، يتخذون قرارات ضد مقاومة شعبهم؛ ويعتبرونها غير شرعية، في ذات التوقيت الذي تقاتل فيه هذه المقاومة وحدها العدو الخارجي، الذي يحتل اراض لبنانية ويتوسع داخلها، فهل هناك من عمالة وخيانة تفوق هذا الأمر.
يقول الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إنه يبحث عن قيادة إيرانية تحسن التعامل مع أميركا و"إسرائيل" وما نراه أنه وجد ضالته في لبنان. كيف لا والسقوط أفقي وعامودي، في بلد لطالما عمل النافذون فيه على تحويله إلى ماخور للدعارة وملهى على شاطئ البحر، يقصده طالبوا اللذة والفرفشة، ويخدمهم الساعون إلى الثراء السريع واللقمة الحرام. وهذا ما يتأكد ليس في تعامل الحكومة وتقصيرها المتعمد تجاه النازحين من بيوتهم، أمام التهديدات "الإسرائيلية" والقصف المجرم، حيث يهملون ويتركون هائمين في الشوارع، فيما يعمد صغار النفوس إلى استغلال النازحين برفع بدلات إيجارات المساكن مئات الأضعاف، فيما تصدر بعض البلديات تعاميم برفض استقبال النازحين. كيف لا يكون ذلك والحكومة الفاقدة للشرعية ولكل القيم، تعتبر أن من يقاتل العدو دفاعا عن أرضه وبيته وشعبه، ليس لبنانيا، بل هو حرس ثوري إيراني يجب طرده إلى إيران.
وكما هو معروف فإن المحن تكشف معادن الناس، وقد كشفت نوعية الحاكمين، وقسماً كبيراً من الرعية.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل