﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

السبت 07 آذار , 2026 03:17 توقيت بيروت إسـلاميــّـــات

الثبات-إسلاميات 

﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾  تمثّل هذه الآية تذكيرًا ربانيًا عظيمًا للمؤمنين بأن النصر الحقيقي إنما هو من عند الله، لا من كثرة العدد ولا من قوة العدة.

 فقد وقعت غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة، وكانت أول مواجهة كبرى بين المسلمين والمشركين.  خرج المسلمون بقيادة سيدنا محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعددهم نحو ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، بينما كان جيش قريش يقارب الألف، مزودين بالسلاح والعتاد.

ومع هذا الفارق الكبير في القوة، نزل نصر الله على عباده المؤمنين، فانتصروا نصراً عظيماً. يذكّر الله المؤمنين في هذه الآية بحالهم يوم بدر: "وأنتم أذلة" أي قليلون ضعفاء في الظاهر، ليغرس في قلوبهم حقيقة الاعتماد على الله وحده. فالميزان في الإسلام ليس ميزان القوة المادية وحدها، بل ميزان الإيمان والتقوى والثبات.

ولذلك قال الله تعالى في موضع آخر: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾  فهذه الآية تبين أن المسلمين يوم بدر لجؤوا إلى ربهم بالدعاء والاستغاثة، فاستجاب الله لهم وأمدّهم بالملائكة تثبيتًا لقلوبهم ونصرًا لهم.

 وقد ثبت في السنة أن النبي ﷺ دعا ربه بإلحاح يوم بدر حتى قال: ((اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ)).

 وكان هذا الدعاء دليلاً على شدة افتقار النبي وأصحابه إلى الله، مع أخذهم بالأسباب المتاحة. كما بيّن النبي ﷺ فضل أهل بدر ومكانتهم العظيمة، فقال: ((لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)).

 وهذا يدل على عظيم منزلتهم عند الله بسبب صدقهم وثباتهم في ذلك الموقف التاريخي الحاسم.

إن الدرس العظيم الذي تحمله هذه الآية هو أن النصر مرتبط بالتقوى والطاعة، ولذلك ختمت الآية بقوله تعالى: "فاتقوا الله لعلكم تشكرون".

 فالتقوى سبب دوام النعم، والشكر سبب زيادتها، كما قال الله تعالى: ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾  ومن هنا يتضح أن نصر الله لا يتحقق بمجرد التمني، بل بالإيمان الصادق، والاعتماد على الله، والأخذ بالأسباب، والثبات عند الشدائد.

 وقد جسّد أصحاب النبي هذا المعنى في بدر، فصار ذلك النصر درسًا خالدًا للأمة عبر العصور: أن الضعف الظاهر لا يمنع النصر إذا حضر الإيمان والتقوى، وأن القوة الحقيقية هي قوة الصلة بالله والثقة بوعده. وهكذا تبقى ذكرى بدر في القرآن الكريم تربيةً للأمة وتذكيرًا دائمًا بأن النصر من عند الله وحده، وأن طريقه يبدأ بالإيمان الصادق والتقوى والشكر لله على نعمه.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل