الجنوب اللبناني بين المنطقة العازلة ومعادلة الردع

الخميس 05 آذار , 2026 11:44 توقيت بيروت أقلام الثبات

خاص الثبات

عاد الجنوب اللبناني ليحتل صدارة المشهد الإقليمي، لا بوصفه جبهةً حدوديةً قابلة للاحتواء، بل كساحة صراع مفتوحة على احتمالات واسعة. فبعد نحو خمسة عشر شهراً من الهدوء النسبي والهش الذي أعقب وقف إطلاق النار إثر حرب الأيام الستة والستين عام 2024، تبدلت المعادلة مع إطلاق المقاومة في حزب الله صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه شمال فلسطين المحتلة، في خطوة أعادت خلط الأوراق ودفعت بالمنطقة إلى مرحلة جديدة.

هذا التطور لم يكن حدثاً معزولاً، بل جاء في سياق سلسلة طويلة من الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية التي استمرت طوال الأشهر الماضية، وسط عجز واضح للدبلوماسية الدولية عن فرض التزام حقيقي بوقف النار. وبينما بدا المشهد وكأنه يعيش حالة من “الهدوء القلق”، كانت الوقائع الميدانية تتراكم تدريجياً لتقود في النهاية إلى لحظة الانفجار.

هدنة بلا ضمانات

منذ انتهاء حرب عام 2024، ساد نوع من الهدوء الهش على الجبهة الجنوبية. غير أن هذا الهدوء كان مفعماً بالخروقات المتكررة، إذ واصلت إسرائيل تنفيذ غارات جوية وعمليات اغتيال داخل الأراضي اللبنانية تحت عناوين أمنية مختلفة، أبرزها منع التموضع العسكري أو إزالة تهديدات محتملة.

في المقابل، التزم حزب الله عملياً بوقف إطلاق النار من جانب واحد، ما جعل ميزان الاشتباك يميل تدريجياً لصالح الجانب الإسرائيلي. لكن هذا الواقع لم يستمر طويلاً، إذ جاءت الخطوة الإسرائيلية الأخيرة بالإعلان عن نية تنفيذ توغل بري محدود في جنوب لبنان لتشكّل نقطة تحول مفصلية.

فالتوغل لم يأتِ منفصلاً عن إنذارات بإخلاء عشرات القرى والبلدات الحدودية، وهو ما اعتُبر مؤشراً على محاولة فرض واقع أمني جديد يتجاوز العمليات المحدودة إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية للمنطقة.

هاجس المنطقة العازلة

لطالما سعت إسرائيل إلى إنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية بذريعة حماية مستوطناتها الشمالية. غير أن التجارب التاريخية تشير إلى أن مثل هذه المناطق لا تبقى مؤقتة في العادة، بل تتحول مع مرور الوقت إلى أمر واقع تفرضه القوة العسكرية وتكرّسه التحولات السياسية.

ومن هنا، فإن إخلاء ما يقارب ثمانين قرية وبلدة حدودية لا يبدو مجرد إجراء عسكري احترازي، بل خطوة قد تمهد لاقتطاع شريط جغرافي واسع يمتد جنوب نهر الليطاني، قد تصل مساحته إلى ما بين 250 و400 كيلومتر مربع. مثل هذا السيناريو لا يعني فقط تغييراً في خطوط التماس، بل إعادة رسم للواقع الجغرافي والأمني في جنوب لبنان، وربما فتح الباب أمام وقائع يصعب التراجع عنها مستقبلاً.

الجغرافيا… سلاح صامت

البلدات التي شملتها إنذارات الإخلاء تمتد على طول الحافة الحدودية من القطاع الغربي إلى الأوسط وصولاً إلى القطاع الشرقي. وهذه المناطق لا تشكل مجرد تجمعات سكنية، بل تمثل عمقاً اجتماعياً وسياسياً للمقاومة، كما أنها تشكّل في الوقت نفسه خط الدفاع الأول في مواجهة أي تقدم بري إسرائيلي.

إخلاء هذا الحزام السكاني يعني عملياً خلق مساحة شبه خالية من المدنيين، وهو ما يمنح الجيش الإسرائيلي أفضلية ميدانية واضحة، سواء من حيث حرية الحركة أو القدرة على استخدام القوة النارية والاستخبارية دون قيود تُذكر.

في هذا الإطار، يمكن فهم الرد الصاروخي لحزب الله بوصفه محاولة لإعادة تثبيت قواعد الاشتباك ومنع فرض وقائع جديدة على الأرض. فالرسالة الأساسية كانت واضحة: أي توغل بري سيُقابل برد مباشر، وأي محاولة لخلق منطقة عازلة لن تمر من دون ثمن.

الدولة اللبنانية في قلب المأزق

التطورات العسكرية ترافقت مع ارتباك سياسي وأمني داخل لبنان. فقد انسحب الجيش اللبناني من بعض النقاط التي كان قد أنشأها بعد وقف إطلاق النار، في خطوة عكست حجم الضغوط التي يواجهها بين الالتزامات الدولية والوقائع الميدانية المتسارعة.

وزاد المشهد تعقيداً ما تردد عن توتر بين قائد الجيش ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، في لحظة كان يفترض أن تشهد أعلى درجات التنسيق بين مؤسسات الدولة.

وفي خضم هذه التطورات، صدر قرار باعتبار حزب الله خارجاً عن القانون، وهو قرار أثار جدلاً واسعاً في الساحة السياسية اللبنانية. فبينما يرى البعض أن حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة يمثل المدخل الضروري لحماية البلاد من الانزلاق إلى مواجهة شاملة، يعتبر آخرون أن طرح هذا الملف في توقيت تصعيد خارجي قد يفاقم الانقسام الداخلي ويضعف الموقف الوطني في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.

معادلة الردع على المحك

إطلاق الصواريخ باتجاه شمال فلسطين المحتلة لم يكن مجرد رد عسكري، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن معادلة الهدوء مقابل الخروقات لم تعد مقبولة. فحزب الله يسعى إلى تثبيت قاعدة جديدة مفادها أن أي توغل بري أو محاولة لفرض واقع أمني جديد سيقابَل بتوسيع دائرة النار.

غير أن هذه المعادلة تبقى محفوفة بالمخاطر. فالتصعيد المتبادل قد يتحول سريعاً إلى مواجهة أوسع، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية متوترة وحسابات دولية معقدة.

الجنوب… اختبار الإرادات

اليوم يقف لبنان عند مفترق طرق دقيق. فإما أن تنجح الأطراف في تثبيت قواعد اشتباك جديدة تحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار، أو أن ينزلق الوضع إلى جولة حرب جديدة قد تكون أكثر كلفة وتعقيداً من حرب الأيام الستة والستين.

وما يجري في الجنوب ليس مجرد تبادل للنيران، بل اختبار لإرادة ثلاثة أطراف في آن واحد: إسرائيل التي تسعى إلى فرض واقع أمني جديد، وحزب الله الذي يتمسك بمعادلة الردع، والدولة اللبنانية التي تحاول استعادة دورها في إدارة القرار الوطني.

وفي ظل شلل واضح لقوات الطوارئ الدولية، يبقى الجنوب مساحة مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث يمكن لأي شرارة أن تعيد إشعال جبهة قد تتجاوز حدود لبنان إلى ما هو أبعد بكثير.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل