الصدقة في رمضان… بين الإخلاص لله وطلب الثناء من الخلق

الجمعة 27 شباط , 2026 02:21 توقيت بيروت إسـلاميــّـــات

الثبات-إسلاميات

   يأتي رمضان كلَّ عام ليجدد في القلوب معاني العبودية، ويوقظ في النفوس روح الرحمة والتكافل، فهو شهر الصيام والقيام والقرآن، وشهر الجود والإحسان. 

وإذا كان الإنفاق في سبيل الله محمودًا في كل وقت، فإنه في رمضان أعظم أجرًا وأوسع بركة، لأن العمل الصالح فيه مضاعف، ولأن حاجة الفقراء والمحتاجين تتجدد مع مواسم العبادة والاجتماع.

يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾، ويقول سبحانه: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾، فالصدقة ليست خسارةً في ميزان الدنيا، بل ربحٌ في ميزان الآخرة، ونماءٌ في المال، وبركةٌ في العمر.

 وقد كان رسول الله ﷺ أكرم الناس، وأعظمهم بذلًا، وبلغ جوده ذروته في رمضان؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل)).

 ويقول ﷺ: ((من فطَّر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء)).

 فالصدقة في رمضان بابٌ واسع للأجر، وإطعام الطعام فيه عبادةٌ تجمع بين الإحسان إلى الخلق والتقرب إلى الخالق. غير أن روح الصدقة ليست في مقدار المال فقط، بل في نية العطاء، فالمقصود الأعظم هو ابتغاء وجه الله تعالى، لا طلب المدح ولا تحصيل الإعجابات ولا نشر الصور عبر وسائل التواصل، يقول سبحانه: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾  فالإخفاء أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء، وأصون لكرامة المحتاج.

 ويقول تعالى في وصف عباده الصالحين: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. وفي الحديث الشريف قال ﷺ عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه))  إنها صورة بليغة في شدة الإخفاء، حيث يبلغ الإخلاص درجةً لا يبقى فيها للعطاء شاهدٌ إلا الله.

إن تحويل الصدقة إلى مشهدٍ إعلامي قد يُفرغها من روحها إن لم تُحفظ النية. فالصدقة في رمضان امتحانٌ للنفس: هل نعطي لأن الله أمرنا، أم لأن الناس ينظرون إلينا؟ هل نبحث عن ثواب السماء أم تصفيق الأرض؟

 السعيد من جعل بينه وبين الله عملًا خفيًا لا يعلمه أحد، يدّخره ليوم يلقى فيه ربَّه.

وإذا انقضى رمضان، بقيت الصدقات الخالصة نورًا في القبر، وظلًا يوم القيامة، وشاهد صدقٍ على أن العطاء كان لله… ولله وحده.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل