أقلام الثبات
اعترف الرئيس الأميركي دونالد ترامب لموقع "إكسيوس" أنه خلال متابعته لمشاهد تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، فوجىء بحجم الحشود الضخمة ومظاهر الحزن وبكاء تلك الملايين على رجل كان يعتقد أنهم يكرهونه، لكن ترامب أثار جدلاً واسعاً في الداخل الأميركي والخارج من خلال تصريحه عندما قال: "إنهم جميعاً هناك، طلقة واحدة ويمكننا القضاء عليهم، لكننا لن نفعل ذلك لأنه لن يتبقى لدينا أحد نتفاوض معه”.
في الداخل الأميركي، وتحديداً أنصار الحزب الديمقراطي مع الفريق المُنشقّ عن حركة MAGA والبعض من الجمهوريين، تناولوا بسخرية مفاجأة ترامب بالحشود المليونية في تشييع المرشد، وتناول الإعلام مسألة المليارات من الدولارات التي أهدرت لتغيير النظام في إيران، سواء من خلال اختراق الاستخبارات الأميركية ومعها الموساد للتظاهرات المعيشية في إيران، أو من خلال إرسال القوات والمدمرات وحاملات الطائرات الأميركية في الحرب عليها دون أية نتيجة، وترددت في الشارع الأميركي عبارة: "من حقنا أن نبكي المليارات التي أهدرتها إدارة ترامب، كما يبكي الإيرانيون على رحيل خامنئي".
أما في الخارج الأميركي، فقد اعتبرت بعض الدول الأوروبية أن "تهديد ترامب بقصف جنازة أمر لن يجرؤ عليه، لكن التهديد بحد ذاته مسيء لكل المواثيق الدولية والسلوكيات الأخلاقية، وسبق لترامب أن هدد بإبادة الحضارة الإيرانية وهذا أمر مُستنكر".
وخلال وجوده في تركيا للمشاركة في قِمَّة "حلف الناتو"، أعلن ترامب يوم الأربعاء الماضي أن الاتفاق المؤقت لإنهاء الحرب مع إيران قد انتهى، وأنه لا يرغب في التعامل مع الإيرانيين مجدداً، واصفاً قادتهم "بالأناس مرضى وسيئين وعنيفين"، وأن التفاوض معهم مضيعة للوقت.
وبالفعل، عاد التصعيد العسكري بشكل حاد بين واشنطن وطهران إثر انهيار مذكرة التفاهم المؤقتة لوقف إطلاق النار، وشنَّت القيادة المركزية الأميركية سلسلة غارات شملت نحو 90 هدفاً عسكرياً إيرانياً، استهدفت أنظمة دفاع جوي، ومواقع تخزين صواريخ، وبُنية تحتية بحرية على الساحل الإيراني، وجاء الردّ من الحرس الثوري الإيراني ضربات مضادة استهدفت مواقع في دول خليجية مجاورة تضم منشآت عسكرية أميركية، مع تأكيد طهران سيطرتها على مضيق هرمز ومنع الملاحة الحرَّة فيه، وأدلى نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس بتحذيرات شديدة لإيران، فيما أعلنت طهران أن الاتفاق المؤقت بات "غير فعال" عقب استئناف الغارات.
موقف ترامب المستجد جاء على خلفية قصف إيران لناقلتيّ نفط إحداهما سعودية والثانية قطرية خلال محاولتهما عبور مضيق هرمز عبر مسار لا يخضع للسيطرة الإيرانية، وترافق ذلك مع إعلان إيراني صريح عبر آلاف اليافطات التي رفعها المُشيِّعون أن الانتقام من الذين كانوا وراء اغتيال السيد الخامنئي قادم، ولا علاقة له بأية مفاوضات ولا اتفاقيات، وحملت بعض هذه اليافطات عرضاً بقيمة مئة مليون دولار لمن يغتال دونالد ترامب.
ومع ارتفاع أسعار النفط نحو 5%، شهدت البورصات الأميركية والغربية والخليجية اضطرابات حادة، لم يأتِ بيان قِمَّة الناتو بجديد عن الحرب الأميركية على إيران، نتيجة استمرار الخلافات الأميركية الأوروبية حول جدوى هذه الحرب التي لن تضمن فتح مضيق هرمز، وأن المفاوضات مع إيران هي السبيل الوحيد، وفيما ذهب البيان إلى دعم ثابت لأوكرانيا وتقديم حوالي 70 مليار دولار لها، إضافة إلى تعزيز دفاعاتها لوجستياً وتدريبياً، اكتفى بالتأكيد على ضرورة عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً، ودعوتها إلى الاحترام الكامل لحرية الملاحة في مضيق هرمز.
وفي إطار تجدد احتمالات عودة الحرب، يرى عالم السياسة الأميركي البارز جون ميرشايمر، أن الولايات المتحدة لم تدخل في صراع ضد إيران لحماية أمنها القومي، بل تم جرّها إلى ذلك لخدمة مصالح "إسرائيل"، وأن هذه الحرب كارثية للولايات المتحدة، والحملة الأميركية لتغيير النظام في إيران باءت بالفشل، مبيناً أن العقوبات الاقتصادية والعمليات الخارجية المشتركة لم تنجح في إسقاط الحكومة الإيرانية، وامتلاك إيران للقوة العسكرية الرادعة والموارد، يمنحها القدرة على الصمود وإلحاق أضرار جسيمة بالقواعد والمصالح الأميركية في المنطقة، مما جعل المواجهة معها خياراً كارثياً لواشنطن، وأن "إسرائيل" هي الطرف الوحيد الذي يسعى فعلياً لدفع واشنطن إلى حرب شاملة مع طهران لتحقيق أهدافها الإقليمية.
وبمعزل عن عودة المواجهة الحربية بين أميركا وإيران، سواء كانت محدودة أو شاملة، فإن لدى إيران ملفاً يطغى على كل الملفات المطروحة للتفاوض، وهو ملف الثأر لاستشهاد المرشد، والذي لا تفاوض حوله، لأنه يخضع لأمور شرعية خاصة، وقد أفصح المسؤولون الإيرانيون عن ذلك بمناسبة التشييع.
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الذي وصف الاغتيال بأنه إعلان حرب واضح ضد المسلمين والشيعة، أكد أن الثأر حق مشروع، فيما دعا رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف الشعب لرفع نداء الأمة للثأر ليتردد صداه في العالم بأكمله خلال الجنازة، وبدوره أكد قائد الجيش الإيراني أمير حاتمي رسمياً، أن القوات المسلحة ستثأر للمرشد ولجميع الشهداء، ولن تسمح بإفلات الجناة من العقاب، وأعلن مستشار المرشد محمد مخبر، أن قتلة خامنئي لن يموتوا موتاً طبيعياً، وأن النظام والشعب سينتقمون بالتأكيد، وأمام هذه الدعوات الصريحة من شخصيات إيرانية في أرفع المراكز القيادية للدولة، يدخل الصراع الإيراني الأميركي الصهيوني زاوية ضيقة من صعوبة التفاوض تتجاوز الملف النووي ومضيق هرمز.
هل نجح ترامب في مقايضة تركيا لتوريط سوريا في لبنان؟ _ د. نسيب حطيط
أجوبة مطلوبة لأسئلة مشروعة.. والمفاوضات العقيمة - يونس عوده
حكومة الانقلاب على الطائف والقرارات الدولية والسلم الأهلي _ د. نسيب حطيط