خاص الثبات
في ظلّ الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان، لم يعد السؤال إن كان هناك خرق أو انتهاك، بل لماذا ما زال الرد الرسمي يراوح مكانه؟ فبين الغارات الجوية، والانتهاكات البحرية، والتهديدات العلنية بالبقاء في النقاط الحدودية، يتكرّس واقع خطير يضع السيادة اللبنانية أمام اختبار حقيقي.
منذ اندلاع المواجهات الأخيرة المرتبطة بحرب غزة عام 2023، صعّد العدو الصهيوني عملياته العسكرية على الحدود اللبنانية، فيما اكتفى لبنان الرسمي برفع الشكاوى إلى الأمم المتحدة والرهان على بيانات الإدانة والضغوط الدولية. لكن الوقائع أثبتت أن الإدانات لا توقف طائرة، ولا البيانات تعيد أرضاً، ولا الوعود تحمي حدوداً.
السياسة المعتمدة منذ تشكيل الحكومة قامت على فرضية أن المجتمع الدولي، وتحديداً الولايات المتحدة وبعض القوى الغربية، قادر على كبح تل أبيب. غير أن التجربة أثبتت أن سقف الضغط الدولي يبقى محدوداً حين يتعارض مع الحسابات الاستراتيجية الكبرى. فالاحتجاجات الدبلوماسية لم تمنع استمرار الاعتداءات، ولم توقف التهديدات، ولم تبدّل في قواعد الاشتباك التي تحاول إسرائيل فرضها تدريجياً.
المشكلة اليوم ليست فقط في حجم العدوان، بل في غياب استراتيجية لبنانية واضحة ومعلنة لمواجهته. الدولة التي تتعرّض لاعتداءات متكررة لا يمكن أن تكتفي بدور المتلقّي. الصمت، أو الاكتفاء بإجراءات روتينية، يُفسَّر ضعفاً، ويشجّع المعتدي على التمادي. المطلوب انتقالٌ من رد الفعل إلى الفعل، ومن الشكوى إلى المبادرة.
أولاً، على المستوى الدبلوماسي، لا يكفي تسجيل اعتراضات. يجب التحرك المنهجي عبر طلب جلسات طارئة لمجلس الأمن، وتكثيف الاتصالات مع عواصم مؤثرة، وبناء تحالف دعم حقيقي للحقوق اللبنانية، لا الاكتفاء ببيانات تضامن شكلية.
ثانياً، على المستوى السياسي، ينبغي ربط أي مسار تفاوضي بالتزام واضح بوقف الاعتداءات، وعدم الاستمرار في مسارات عبثية تمنح الطرف الآخر وقتاً لتثبيت وقائع جديدة على الأرض.
وثالثاً، على المستوى الوطني الداخلي، لا بد من صياغة استراتيجية دفاعية جامعة تحصّن الموقف اللبناني وتوحد الرؤية بين مؤسسات الدولة والقوى السياسية.
إن حماية السيادة ليست خياراً تكتيكياً، بل واجب وجودي. الرهان الأحادي على الخارج أثبت محدوديته، كما أن الانقسام الداخلي يضعف أي موقف تفاوضي. المطلوب مقاربة جديدة تنطلق من مبدأ بسيط: لبنان ليس ساحة مفتوحة، وحدوده ليست قابلة للتفاوض تحت النار.
لقد قدّم لبنان الكثير من المرونة السياسية، لكنه لم يحصل بالمقابل على ضمانات حقيقية. وإذا استمر النهج الحالي، فإن خطر تثبيت أمر واقع جديد سيصبح أكثر جدية. لذلك، آن الأوان لقرار شجاع يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة القادرة على الدفاع عن حقوقها، ويضع حداً لحالة الانتظار الدائم لوساطات قد تأتي أو لا تأتي.
المعركة اليوم ليست عسكرية فحسب، بل سياسية وسيادية بامتياز. والسؤال لم يعد: هل يتغير النهج؟ بل: هل يملك لبنان ترف عدم تغييره؟
"شاه إيراني" ينتظر سقوط بلاده: رضا بهلوي.. وبهلوانيات ترامب ــ أمين أبوراشد
حملة ثلاثية: مصر في عين العدوان "الإسرائيلي" _ يونس عودة
ماذا تخشى واشنطن في بيروت، وما الذي يكشفه هروب موظفي سفارتها؟