أقلام الثبات
أعلن المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف لشبكة "فوكس" نيوز، أنه التقى نجل شاه إيران السابق رضا بهلوي؛ اللاجئ في أميركا، وذلك بتوجيه من الرئيس دونالد ترامب، وأشار إلى أن بهلوي "رجل قوي ويهتم ببلاده".
تزامنت هذه الإشادة ببهلوي، مع أخرى من ترامب برئيس السلطة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع، أنه أيضاً قوي وقادر على توحيد بلاده، فيما لم تدخل أميركا إلى أي بلد أو تتدخَّل به، إلا ومزَّقت شعبه وأرضه قبل أن تنقلع منه مُدبِرَةً مرذولة.
وفي تصريح آخر، بدا ستيف ويتكوف وكأنه يخرج من الغرفة السوداء داخل البيت الأبيض، حيث الحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس ترامب؛ من مستشارين وخبراء عسكريين، ويُفشي أسرار نقاشات الساعات الأخيرة ويتساءل: ما سر الصمود الإيراني أمام التهديدات الأميركية؟ ويُضيف: الرئيس مُتعجِّب من عدم استسلام الإيرانيين، فهل فشلت استراتيجية التفاوض بالمدفع في انتزاع الرضوخ؟ وكيف لا يهابون هذه القوة الهائلة المنتشرة قبالة سواحلهم؟
بدا ويتكوف وكأنه خرج عن طوره وتساءل مجدداً: لماذا لم يأتوا إلينا ليقولوا نحن لا نريد سـلاحـا نـوويـا؟ في إشارة منه إلى أن دفع طـهـران لاتخاذ مثل هذه الخطوة الـتـنازلية يبدو أنه ليس بالأمر السهل كما كان يتوقع البعض في واشنطن، وهذا الاعتراف يضرب في صميم خطة تـرامـب التي تعتمد على إظهار الـقـوة المفرطة لإجبار الخصوم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بشروط أميركية بحتة.
كلام ويتكوف عن معضلة أميركا في حال عدم استسلام إيران، وفشل الـحـشـد الـبـحـري والـحـصـار الـخـانـق في دفع إيران للـخـضـوع، يدعو إلى التساؤل عن الخطوة التالية: هل يتم الذهاب نحو الـصـدام المباشر الذي يحذر منه مستشارو تـرامـب، أم سيضطر الـبـيـت الأبـيـض لمراجعة شروطه الـتـعـجـيـزية (مثل صـفـر تـخـصـيـب) للوصول إلى اتفاق سياسي يجنب المنطقة الانفجار؟ الجواب يأتي تلقائياً: المواطن الإيراني الذي اعتاد الحصار الخانق، وحياكة السجاد بصبر عجيب، لن يتأقلم مع دينامية ترامب المستعجل دائماً لتحقيق مآربه؛ تماماً كما يلتهم غداءه من مطاعم الوجبات السريعة، وكأنه في صراع مع الوقت للانتقال من خيبة إلى خيبة، سيما أنه شَحَن ثلث القوات البحرية الأميركية لتطويع إيران الرافضة لأي تطبيع، وخيبته ستكون أضعافاُ مضاعفة في حال لم يتمكن من تنفيذ تهديداته البهلوانية.
وفي جزئية من العقبات اللوجستية التي تواجهها القوات الأميركية قبالة إيران، أن حاملة الطائرات "جيرالد فورد" مضى على إبحارها أحد عشر شهراً، وهي أطول مدة إبحار متواصل في تاريخ البحرية الأميركية، وطاقمها البالغ عدده نحو خمسة آلاف عنصر قد مضى عليه أكثر من ثمانية أشهر دون تبديل، مما أشاع موجة من التذمر لدى غالبيتهم، وتهديد البعض بالاستقالة، خصوصاً أن التجديد لهذه الحاملة بالإبحار مرتين متتاليتين جعل مرافقها الخدماتية بحاجة إلى أعمال صيانة عاجلة في أحواض بناء السفن، وانعكس سلباً على الحياة اليومية للعاملين على متنها.
وإذا كان العدوان على إيران لا بد منه، سواء لحفظ ماء وجه إدارة ترامب، أو بهدف الضغط على طاولة المفاوضات، فإن الدبلوماسي الإيراني السابق والمحلل البارز أمير الموسوي لا يستبعد حصول هذا العدوان، ويحدد الأهداف التي قد تستهدفها أميركا في ضربات كثيفة، كالمنشآت النفطية جنوب البلاد، والمحطات الكهربائية، والمواقع الصاروخية، لكن المفاجئ في تصريحات الموسوي، أنه لا يستبعد أيضاً استخدام القوات الأميركية أسلحة نووية في بعض هجماتها، وأن الهدف الأهم لدى العدوان هو اغتيال المرشد الأعلى السيد علي خامنئي.
يحصل كل هذا التصعيد وسط هلع خليجي غير مسبوق، واتصالات تهدئة لا تهدأ، تحديداً من المملكة العربية السعودية، ليس فقط خوفاً من انهمار الصواريخ الإيرانية على أهداف ومراكز مصالح أميركية في الخليج، ولا فقط الضربة الاقتصادية لهذه الدول نتيجة إغلاق مضيق هرمز، الذي قد يكون أول الخطوط الدفاعية عن إيران، لأنه سيكون ميدان المواجهات البحرية بين حاملات الطائرات والبوارج والسفن الحربية الأميركية، مع القوات البحرية الإيرانية التي ستتسبب بإقفاله تلقائياً، وهذا ما تخشاه إدارة ترامب، لأن الجدل قائم بين كبار مستشاريه العسكريين وكبار المنظِّرين الاستراتيجيين في البيت الأبيض، الذين يعتبرون أن الاقتصاد العالمي، بما فيه الأميركي، لن يحتمل إغلاق هذا المضيق لأيام وليس لأسابيع.
وإذ يمر عبر مضيق هرمز يومياً ما يعادل 20% إلى 30% من إجمالي استهلاك النفط العالمي، أي ما يقارب 17 إلى 21 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات والمشتقات النفطية. يعتبر هذا المضيق الاستراتيجي أهم ممر مائي لنفط الخليج، حيث يُنقل عبره أكثر من 85% من صادرات نفط الخليج العربي، متجهة بشكل أساسي إلى الأسواق الآسيوية، وإذا كانت الأسواق العالمية تحتمل بصعوبة إغلاق هذا المضيق لأسابيع، فكيف لو تمّ إقفاله نهائياً بفعل الفوضى في حال انهيار النظام الإيراني؟ عندها سيكون على هذه الدول ومعها كل اقتصادات العالم، أن تنتظر تنصيب الشاه الكرتوني رضا بهلوي على عرش إيران، وهذا ما قد يكون من أوهام ترامب، إذا استطاع الانتصار على 92 مليون إيراني يعتبرون أميركا "الشيطان الأكبر".
لبنان تحت النار: هل حان وقت كسر الرهان الخاسر وتغيير قواعد المواجهة؟
حملة ثلاثية: مصر في عين العدوان "الإسرائيلي" _ يونس عودة
ماذا تخشى واشنطن في بيروت، وما الذي يكشفه هروب موظفي سفارتها؟