الثبات _ ثقافة
كثيراً ما يُسخَّر الذكاء الإنساني، في حقول السياسة والإدارة والإعلام والثقافة، لخدمة أغراض تزيغ به عن دورِهِ الأصيل، فتنحرف الكلمةُ عن مسارها الطبيعي، وتُفرغ المفاهيم من حمولتها القيمية.
هذا النهج، الذي تكرر على امتداد التاريخ، لم يُسهم في بناء معرفة إيجابيةٍ راسخة أو إنتاجٍ مثمرٍ للإنسان، بل قاد إلى فراغ معرفي هائل يستدعي منا اليوم إعادة تعريف جذري لأسئلتنا الكبرى:
ما معنى السلطة والمعرفة والثقة؟ وأين يتجلى الحق والخير والجمال في زمن الإنجاز والإبداع؟ واينَ مكمنُ التعطيلُ والتّثبيط؟
إن التّعصُّبَ عند حدود الأنماط الموروثة من أعراف لا تتصل بالحق، ومن مفاهيم لا ترقى الى الحقيقة،هو ما يعيق الأعمال؛ لأن القيم لا تكتسب معناها الإيجابي إلا حين يظل الإنسان غايتها وبُغيتها، وان يكونَ الفردُ البشري محورُ اهتمامِها بما يحقق صلاحه وكرامته، لا أن يتحوّل إلى هامشها أو مجرد أداة تخدمُ غير غاياتها النّبيلَة.
فالذكاء، إن تخلّى صاحبُه عن ضميره الحيّ الفطري تحوّل إلى مكرٍ محض، لا ينتج معرفة نافعة، بل يضاعف من المعارف الوهمية التي تُشوّه صفاء الوعي وتُضعف نبض المسؤولية بمعناها الواسع.
إنّ هذا الذكاء، مهما بلغت براعته، لا يمكنه البتّة أن يكون بديلاً عن الضمير المهني الأمين، ولا عن الحس النقدي المُتعِب الذي يظل نبض الحقيقة الفعّالة، ولا عن المسؤولية الثقافية التي تضع الإنسان في صلب انشغالاتها، وتصون فيه الأمانة التي حملها.
إنّ المجتمعات التي تُفرغ العقل من بُعده الأخلاقي تتحوّل رويداً رويداً إلى كياناتٍ هشّة، تُستبدل فيها القيمة الغنية بالبراعة السّطحية، ويُستبدل الضمير بالمنفعة الآنية الزائلة.
يُمكنُ القول إن التحدي الأعمق الذي يواجهنا اليوم ليس في تطوير الذكاء، بل في إعادة وصله بجذوره الإنسانية الكبرى، ليصبح منارة للخير والإبداع، لا وسيلة بارعة للتلاعب والتضليل. فالمعرفة الحقّة لا تُقاس بضخامة المعلومات، بل بقدرتها على احتضان الإنسان وصون كرامته. والسلطة لا تكتسب شرعيتها إلا بارتباطها الوثيق بالحق. والفعلُ، أيّ فعلٍ، لا يثمرُ ثمارَه اليانعة إلّا إذا ظلّ متجذّراً في تربة الخير الإنساني والجمال الأخلاقي، يرتوي من مَعينَهِما الصّافي.
-د. غازي منير قانصوه
الجندر وخطره على الأطفال
لبنان… هذا الوطن الصغير بحجمه، الكبير بروحه
الجندر وخطره على المجتمعات الإسلامية