أقلام الثبات
أخطأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب كعادته في التغريد، سواء مع حلفائه أو خصومه، لكن خطأه بحق إيران لامس الخطيئة عندما قال: "سأعود الى قصف إيران في حال قررت إغلاق مضيق هرمز مجدداً، والوفد الإيراني المفاوض لن يعود الى طهران".
الوفد الإيراني سَخِر من هذا التهديد، وطلب منه الاعتذار كشرط لاستكمال المفاوضات، فاعتذر ترامب وقال إن تهديداته جاءت على سبيل الدعابة، واعتذر أيضاً نائبه جي دي فانس، لكن رئيس الوفد الإيراني محمد باقر قاليباف، لم يحتمل سخافة الدعابة، ولم يأبه للتبريرات، ونشر تغريدة تُنذر ترامب، أن الرد سيكون على تل أبيب ما لم يتوقف نتانياهو عن عدوانه على لبنان، وأن "إسرائيل" لديها مهلة 60 يوماً للانسحاب من الأراضي اللبنانية.
وكما فرضت إيران وقف إطلاق النار على كافة الجبهات كبند أول في وثيقة التفاهم، بدأت المفاوضات بين الطرفين الإيراني والأميركي، بحضور الوسطاء الباكستانيين والقطريين في سويسرا بالملف اللبناني، ووجوب وقف العدوان الصهيوني وانسحاب "إسرائيل" من جنوب لبنان.
وبُعيد انتهاء الجلسة الأولى، حاول الوسطاء جمع المفاوضين الإيرانيين والأميركيين في صورة مُصافحة تذكارية، لكن الوفد الإيراني رفض ذلك، وغادر قاعة المفاوضات، وهدد بالتوقف عن استئنافها ما لم يعتذر ترامب، لكن المساعي القطرية نجحت في إقناع الإيرانيين بالبقاء بعد اعتذار ترامب، مع بروز نتائج إيجابية من اللجان الفنية حول تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، والتوافق حول إدارة مضيق هرمز.
هنا، عاد الإعلام الأميركي بالذاكرة القريبة؛ حين كانت تغريدات ترامب خلال الحرب تُربِك دائرة العاملين معه، في الحلقة الضيقة المولجة تنفيذ توجيهاته، فإذا به يتراجع عن كلام النهار عبر التغريد في الليل، مما كان يضع العراقيل ويعيق مهام فريق عمله، وجرى التداول مع دوائر البيت حول ضبط تغريدات الرئيس لتكون منسجمة مع الأجواء التفاوضية، أو حتى منعه من التغريد خلال المفاوضات.
ومواكبة هذه المفاوضات من جانب الشارع اللبناني، تشبه إلى حدٍّ بعيد مواكبته للعدوان المتمادي منذ نحو ثلاث سنوات، وتبيَّن فعلاً أن لبنان الرسمي ليس عاجزاً على المستوى العسكري لمواجهة "إسرائيل" فحسب، بل هو غير نظيف بالكامل على المستوى السياسي والوطني لهكذا مواجهة، مع تمايز قيادة الجيش بوعيها وحكمتها في ضبط إيقاع المواجهة بعيداً عن المنحرفين من السياسيين والإعلاميين، الذين ينشدون السلام من مفاوضات بإدارة واشنطن بعيداً عن الثقل الإيراني الوازن في تأديب واشنطن وتل أبيب معاً.
والأعجوبة العسكرية التي حصلت من خلال الصمود الإيراني، هي في "تدويل الحق اللبناني" بعيداً عن مجلس الأمن الذي يشبه بخيبة قراراته بيانات سيئة الذكر الجامعة العربية، لأن هذا "التدويل" صنعته إيران دون سواها، كرمى لصمود وصبر وبسالة الشعب اللبناني المقاوم، من خلال رهن كل مفاوضاتها مع أميركا بالبند الأول من وثيقة التفاهم من جهة، وإغلاق مضيق هرمز أمام كل السفن حتى يتوقف العدوان الصهيوني على لبنان من جهة أخرى، ولا أحد ينكر أنه بعد ثلاث سنوات من القصف اليومي والقتل والتدمير والتهجير والعربدة "الإسرائيلية" في البر والبحر والجو، جاء الضغط الإيراني ليضع حداً لهكذا عدوان عبر التكامل مع جهود المقاومة في المواجهة البرية وحسن إدارة قيادة الجيش اللبناني لهذا الصراع.
والأعجوبة السياسية التي أحدثها النصر الإيراني على المستوى الإقليمي، لبنان معني بها أكثر من سواه، نتيجة إنقسام الشارع اللبناني للأسف بين "عربي" و"فارسي" أو بين "صهيوني بعباءة عربية" و"مقاوم حرّ كريم"، لأن إيران حققت بنصرها قيام وحدة إقليمية بعيدة عن وصاية الجامعة العربية، وقادرة أن تقول للرئيس ترامب "كش ملك" مع قواعدك العسكرية التي تشبه الهياكل الرملية.
هذه الوحدة الإقليمية المرتقبة ستُبنى على الركام الأميركي في المنطقة، وقوامها لغاية الآن: مصر والسعودية وباكستان وتركيا، حيث استضافت مدينة العلمين المصرية الجديدة يوم الأحد الماضي وزراء خارجية الدول الأربع، في خطوة تحمل أبعاداً سياسيّة واستراتيجيّة تتجاوز إطار التنسيق الدبلوماسيّ التقليديّ، وتشير إلى محاولة بناء إطار إقليميّ جديد للتعامل مع التحدّيات الأمنيّة والسياسيّة والاقتصاديّة التي تواجه الشرق الأوسط.
وتكمُن أهميّة هذا الاجتماع في طبيعة الدول المشاركة فيه، إذ يجمع بين أربع قوى متنوعة القدرات، وتمتلك تأثيراً مباشراً في العديد من ملفّات المنطقة:
– مصر بفضل عديد جيشها وجهوزيته، تلعب دوراً محوريّاً في القضايا العربيّة، ولا سيما في الملفّ الفلسطيني وأمن البحر الأحمر.
– المملكة العربيّة السعودية بما تمثل من ثقل سياسي وازن واقتصاديّ كبير، وتقود جهوداً عربيّة واسعة لدعم الاستقرار والتنمية ومنع التقسيم في كامل الخارطة العربيّة والإسلاميّة.
– تركيا، بات يُعتمد عليها في الصناعات الحربية، إضافة إلى أنها تُعدّ لاعباً أساسيّاً في ملفّات سوريا والقوقاز وشرق المتوسّط.
– باكستان، التي تشكّل قوّة إسلاميّة عسكرية ونووية كبرى، وترتبط بعلاقات متينة مع العديد من دول المنطقة، وأهمها اتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية، وتتمتّع بدور متنامٍ في الوساطات الدبلوماسيّة، [وإلزامه بورقة التفاهم الإيرانية التي ماطل شهرين في تمحيصها ورفضها، ووقف إطلاق النار الدائم سيفرض نفسه من طهران إلى بيروت، على وقع اعتراف إعلامي أميركي / صهيوني، أن إيران قد انتزعت مفتاح الشرق الأوسط الجديد، وداست على خارطة "إسرائيل الكبرى"، وما على بعض العرب سوى انتزاع رؤوسهم من رمال العار.
مفاوضات لا تُنهي الصراع.. بل ترسم خطوطاً جديدة _ يونس عودة
"إسرائيلُ" تُدمّر.. و"كتلة نوّاب إسرائيل" في لبنان تطالب إيران بالتعويضات! _ د. نسيب حطيط
أمريكا.. المقاول الحصري للسياسة والحرب في الشرق الأوسط _ د. نسيب حطيط