أقلام الثبات
يوم الأحد، حصل اجتماع رباعي في القاهرة ضم وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان، لبحث القضايا الإقليمية، ومنها التفاهم الأميركي - الإيراني.
لا شكّ أن هذا الاجتماع التنسيقي لدول فاعلة في الإقليم يمثل، في جوهره، تعبيرًا عن دخول الشرق الأوسط في مرحلة انتقالية، فالأحداث التي شهدها عام 2026 أعادت تعريف قواعد الاشتباك في الإقليم، وأسقطت فرضيات كانت تشكل أساس السياسات السابقة، وفي مقدمتها إمكانية الحسم العسكري ضد إيران، أو أن إيران ضعيفة تعمد إلى اكتساب الردع عبر "الدفاع المتقدم".
إن فشل الحرب الأميركية - "الإسرائيلية" في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، وأهمها اسقاط النظام في إيران، أو دفعه الى تقديم تنازلات هائلة، بالإضافة الى التطورات الميدانية التي حصلت بين شهري شباط وحزيران 2026، أثبتت ما يلي:
إسقاط أو تحجيم إيران بالقوة لم يعد ممكنًا.
أدوات الردع غير المتكافئة قادرة على تعطيل التفوق العسكري التقليدي.
السيطرة على العقد الجيو - اقتصادية (مثل مضيق هرمز) تمنح قوة موازية للقوة العسكرية.
في هذا الإطار، وبعد تكبيد الاقتصاد العالمي خسائر كبيرة، والخشية من تناقص قوي لمخزون النفط العالمي، تحولت إيران إلى فاعل أساسي داخل النظام الإقليمي، يمتلك القدرة على تعطيل أي نظام لا يراعي مصالحه.
في المقابل، قامت "إسرائيل" منذ ما بعد 7 أكتوبر 2023، بهجوم واسع النطاق في المنطقة، لاحتلال مناطق في كل من فلسطين وسوريا ولبنان، متذرعة بأمنها القومي وحماية حدودها، ولم تكتفِ "إسرائيل" بما قامت به في فلسطين ولبنان، بل قامت بتدمير مقدرات الدولة السورية واحتلال أجزاء واسعة من سوريا، وشنّت حربين على إيران، كما قامت ببناء شبكات نفوذ تمتد إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي وما بعده.
ومع رفع نتنياهو لسقف التوقعات الاسرائيلية، بالحديث عن سيطرة "إسرائيلية" على منطقة ممتدة من الهند الى السودان، يبدو أن الصراع لم يعد محصورًا في السيطرة على الجغرافيا، بل أصبح صراعًا على التحكم بالفضاءات الاستراتيجية الأوسع (الممرات البحرية، وسلاسل الطاقة، ونقاط الاختناق الجيوسياسية).
في خضم هذه البيئة الإقليمية المتغيرة، يأتي الاجتماع الرباعي بوصفه آلية استجابة لتهديدات متزايدة ومختلفة عن التهديدات السابقة، فالدول الأربع المجتمعة في القاهرة تدرك أنها باتت تواجه معادلة مركبة:
1- إيران تمثل قوة صاعدة بقوة غير قابلة للإقصاء.
2- "إسرائيل" تمثل قوة عسكرية متفوقة تحاول توسيع نطاق هيمنتها وتأسيس "إسرائيل الكبرى"، في ظل سيطرة اليمين المتطرف على الحكم، ونزوع المجتمع "الإسرائيلي" نحو "اليمين".
وعليه، فإن الهدف الأساسي للاجتماع يصبح التنسيق بهدف إقامة توازن مزدوج لكل من النفوذ الإيراني الذي سيتصاعد أكثر، والحدّ من التوسع "الإسرائيلي" الذي قد يطال أكثر من ساحة إقليمية.
هذا التوازن المزدوج يقوم على فرضيتين أساسيتين:
أ- إدماج إيران في النظام الإقليمي دون التسليم بهيمنتها، والقيام بموازنة نفوذها في عدد من الدول العربية الأضعف.
ب- كبح التمدد "الإسرائيلي" دون مواجهة مباشرة، من خلال بناء كتلة قادرة على الردع، ومنع "إسرائيل" من الانتقال الى مساحة نفوذ هذه الدول نفسها.
وهكذا، يكون الهدف هو التأسيس لنظام إقليمي شرق أوسطي متعدد الأقطاب، تكون فيه إيران لاعبًا مهماً، لكن ليس مهيمناً، و"إسرائيل" قوية، لكن ليست مطلقة اليد في التغوّل على جيرانها، أما الدول المجتمعة في مصر فتكون شريكًا في صنع التوازن الإقليمي، قادرة مجتمعة على تعطيل مشاريع الهيمنة الإقليمية الأخرى، مع العلم أن هذا المسار، رغم أهميته، لا يزال في إطار التنسيق السياسي، ولم يتحول بعد إلى تحالف استراتيجي قادر على فرض توازن صلب، ما يجعله مرتبطًا بمدى استمرار تقاطع مصالح هذه الدول.
وقف إطلاق النار الذي طلبته "إسرائيل"... والخطط البديلة ضد المقاومة _ د. نسيب حطيط
معركة "علي الطاهر" وآثارها الداخلية والخارجية _ د. نسيب حطيط
خروج شخصيات لبنانية من المشهد السياسي... هؤلاء سيدفعون الثمن _ حسّان الحسن