أقلام الثبات
يعيش أهل طرابلس الفقراء والمنسيون حالة رعب وخوف عمرها أكثر من 30 عامًا أو أكثر، فالأبنية التي بدأت بالانهيار أعطت إنذاراتها منذ عشرات الأعوام، وتناساها نواب ومسؤولو المدينة، ولم يبادروا لمعالجتها وتأمين سلامة أهلها الذين يعانون الفقر والإهمال، وتكاد بعض العائلات لا تستطيع النوم بالتناوب، ولا تستطيع تناول الوجبات إلا بالتناوب بين الغداء والعشاء، ومع تأكيدنا على حق هؤلاء المظلومين بسكن آمن وتضامننا معهم والدعوة إلى مساعدتهم بالإيواء والإخلاء.
لابد من مناقشة التوقيت وتسارع الأحداث في إثارة قضية ليست وليدة اليوم، بل هي قضية مزمنة يعرفها كل أهل المدينة ونوابها ووزراؤها ورؤساء الحكومة الطرابلسيين، والسؤال: هل ما يجري في طرابلس له خلفيات وأسباب سياسية تستغل نكبة الناس ومعاناتهم؟
إن التوقيت وإثارة القضية بشكل كبير يتجاوزان صفتها الإنسانية والفنية إلى فضاء سياسي وأمني ينذر بتطور الأوضاع نحو الأسوأ، ويمكن لنار طرابلس أن تلفحها الرياح السورية الجديدة لتشعل الجمرة "الداعشية" أو جمرة "جبهة النصرة" في الشمال؛ كنسخة إسلامية متطرفة عن دولة "المطلوبين" عام 1974، واستغلال الفراغ على مستوى القيادة السياسية والدينية للطائفة السنية في لبنان، بالتلازم مع الفقر والعوز والبطالة والانهيار الاقتصادي اللبناني، ما يفتح أبواب الفقراء والمحتاجين من الإخوة "السنّة" لتأييد أي جهة تقدم المساعدات، دون التدقيق في صدقها أو خداعها أو خبثها، والتي تهدف لتأمين هيكلية طائفية ومساحة جغرافية تجمع "السنّة" من اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين في إطار واحد معارض للدولة والجيش "الماروني"، وفق التوصيف "الداعشي"، وضد "الشيعة الروافض"؛ بحجة الثأر لتدخلهم في سوريا.
والسؤال الرديف: هل ستكون طرابلس بوابة الصراع بين القيادات "السنيّة" السياسية حول رئاسة الحكومة المقبلة، لمنع إعادة تسمية رئيس الحكومة الحالي الذي دخل الساحة السياسية على حصان أمريكي وهو من خارج المنظومة القيادية السياسية، والذي لم يعترف ولم يحترم بقية القيادات التي سبقته في رئاسة الحكومة أو المرجعيات، ويعمل بشكل مستقل، لاعتقاده أنه يملك القوة الخارجية التي تغنيه عن بعض المساومات أو التنازلات الداخلية، سواء داخل الطائفة أو خارجها، من باب الاستقواء بالخارج والاستغناء عن الداخل.
قد يكون انهيار المباني في طرابلس بداية انهيار الأمن في الشمال، بقرار وتخطيط خارجي، ويمكن أن يكون بداية إسقاط منظومة التمثيل السياسي الطرابلسي التاريخي واستبدالها بمنظومة سياسية جديدة على مستوى النواب والوزراء، لطيّ صفحة سياسية طويلة، لأن بعض الخارج يريد تنصيب نواب يعملون معه مباشرة وليس "بالتبني"، وبعد نجاح تجربة "أبو عمر" في تشكيل الحكومة والتحكم بقرارات ومواقف النواب والسياسيين عبر الهاتف، وإمكانية إدارة الطبقة السياسية التي تتحالف مع السعودية أو تحاول التقرب منها، مما سيشجع السعودية على إدارة اللعبة السياسية والانتخابية مباشرة، وتنصيب من تريد، وقطع أرجل بعض السياسيين الذين لا ترغب بعودتهم.
لابد من الحذر والعمل حتى لا تكون طرابلس نافذة التمدد "للحالة السورية الجديدة" التي "بشّر" بها المبعوث الأمريكي طوم برّاك بضم لبنان إلى سوريا وإعادة إحياء "بلاد الشام" من خلال "جبهة تحرير الشام"، بعدما غيّرت أمريكا اسمها القديم (جبهة النصرة).
يبدو أن "كرة" الأحداث في طرابلس التي بدأت بانهيار المباني وإخلاء السكان وتأمين الإيواء ستكبر، ويمكن ضم قضية الموقوفين الإسلاميين للمطالب، بعدما نجح النظام السوري الجديد باسترجاع عناصره ومؤيديه الذين قاموا بأعمال إرهابية في لبنان... فماذا لو طلب أهل طرابلس وأهالي الموقوفين الإسلاميين تدخل "أبو محمد الجولاني" لإطلاق سراح أقاربهم الموقوفين، وتثبيت "جبهة النصرة" ممثلاً بديلاً عن نوابهم ووزرائهم الذين عجزوا أو تقاعسوا عن إطلاق الموقوفين الإسلاميين وتركهم دون محاكمة؟
من يدير اللعبة السياسية والأمنية في طرابلس يتّبع خططاً ذكية، لا تظهر في مطالبها وشعاراتها المطالب السياسية، بل تمتطي عناوين إنسانية واقعية لا يمكن النقاش فيها؛ من ترميم المباني وتأمين سلامة السكان وترميم النسيج الاجتماعي لعوائل الموقوفين "الإسلاميين"، مع أن هذه الخطط الخبيثة تعمل وفق منظومة "كلمة تحقق يراد بها باطل".
أحداث طرابلس ليست أحداثاً بريئة، وربما يبالغ البعض في الحالة الفنية للمباني وإمكانية انهيارها، ليتم تسريع استحقاقات مخطّطة والبدء بتنفيذ بمشاريع انقلابية مخطّطة أو للتأثير على الاستحقاقات الانتخابية القادمة، وفي كل الحالات سيدفع أهلنا في طرابلس الثمن، سواء بانهيار المباني أو بانهيار الأمن... مع الدعاء لهم بالأمن والسلام والفطنة وعدم الوقوع في فِخاخ الفتنة التي تزيّن لهم الانضمام للنظام السوري الجديد.
طرابلس... انهيار مَبانٍ أم انهيار سياسي وأمني؟ _ د. نسيب حطيط
الثلاثاء 10 شباط , 2026 08:00 توقيت بيروت
أقلام الثبات
من إيران إلى بنما وكوبا.. قاعدة الشرّ أميركا ــ يونس عودة
العزلة الأخلاقية: وجه آخر للصراع مع "إسرائيل" ــ د. ليلى نقولا
الزيارة التي طهّرت الحكومة من خطاياها... دون أن يربح الجنوب _ د. نسيب حطيط