أقلام الثبات
فجأةً، وقبل 48 ساعة من موعد التوقيع على "مذكرة التفاهم" مع إيران في جنيف يوم الجمعة، قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الموجود في فرنسا لحضور قِمَّة "مجموعة السبع"، التوقيع على هذه المذكرة إلكترونياً خلال حفل عشاء، فيما تولى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان توقيعها من طهران.
وبهدف تبرير سوء تقديره للحرب على إيران، وقف ترامب وسط قادة المجموعة وقال: "لو أكملتُ الحرب على إيران لما كان سقط النظام الإيراني أبداً، ولا كنت قضيت على السلاح النووي أبداً، ولا على برنامج الصواريخ الباليستية أبداً، ولا فتحت مضيق هرمز أبداً، ولا أنهيت أذرع إيران في المنطقة أبداً.
قرار التوقيع الإلكتروني يوم الأربعاء بين الرئيسين ترامب وبزشكيان فاجأ أيضاً الوسيط الباكستاني، وأبدى رئيس الوزراء شهباز شريف استهجانه من هذه الخطوة التي رافقها إرباك حول توقيت هذا التوقيع، وما إذا كان الطرفان الأميركي والإيراني سيلتقيان في جنيف للتوقيع الحضوري، وهذا التغييب للوسيط المُعلن الذي هو باكستان عن ترتيبات التوقيع الإلكتروني، يُظهر وكأن هناك "وسيط ظل" على عجلة من أمره، وقد يكون الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي التقى ترامب في باريس، أو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أو أن ترامب انتشى بوجوده في قصر "فرساي" وقرر التوقيع بين جدرانه وأسقفه المطلية بالذهب، وقرر "دخول التاريخ"، لما للقصر من تاريخ في احتضان لقاءات الكبار.
والمفارقة في تعجيل ترامب إبرام الإتفاقية دون إطلاع طفله المدلل "بيبي" نتانياهو عليها، أن الإعلام الأميركي اعتبر هذه الاتفاقية لمصلحة إيران بالكامل، فيما اليمين الصهيوني اعتبرها خيانة من ترامب، وأن إيران ما بعد الحرب باتت راعية الشرق الأوسط الجديد بدلاً من "إسرائيل"، وصمودها أوجد نسخة محدَّثة من هذا الشرق، عنوانها "وحدة شرق أوسطية" مُعادية لما تسمى "إسرائيل الكبرى" والزحف الصهيوني من جهة، ومن جهة أخرى، رافضة لإستيراد الأمن من أميركا والغرب وتكرار تجربة القواعد الأميركية، وقوام هذه الوحدة إن تم استكمالها بإنشاء جيش إقليمي هي: السعودية ومصر وتركيا، وربما باكستان وإيران لاحقاً.
وأمام بهجة ترامب بهذه الاتفاقية، لستعاد الشارع الأميركي بما له من سلطة، خصوصاً عشية الانتخابات النصفية، أسباب إقالة رئيس أركان الجيش الأميركي المخضرم راندي جورج في مطلع شهر نيسان الماضي، بسبب رفضه القاطع لأي هجوم بري على إيران، وبرر راندي جورج رفضه يومذاك لنفس الأسباب التي ذكرها ترامب الآن حيث قال: "إن خيار الحرب البرية سيكون بمثابة انتحار عسكري، ونسبة الفشل فيه تبلغ 90%، وسيكبِّد القوات الأميركية خسائر فادحة، نظراً للطبيعة الجغرافية والتركيبة المعقدة لإيران التي لا يمكن حسمها بحرب برية ولو دامت عشر سنوات".
ومع تناول وكالات الأنباء ووسائل الإعلام البنود الأربعة عشر لهذه الاتفاقية، نتوقف عند جزئيات منها، ونعتبرها مفصلية في انتهاء الصراع الأميركي/ الغربي مع إيران، إلى تتويجها الدولة الإقليمية التي استحقت الوصول منتصرة إلى النهائيات التنافسية النهضوية بين دول المنطقة خارج أسوار الحصار الظالم.
الجزئية الأولى، أن إيران في الإتفاق النووي مع دول الخمسة زائد واحد عام 2015، كانت نسبة تخصيب اليورانيوم لديها 3.67%، وبعد إلغاء ترامب لهذه الاتفاقية عام 2018 وسط صمت الدول الكبرى التي شهدت على توقيعها في عهد أوباما، اعتبرت إيران نفسها متحررة من قيود هذه الإتفاقية وباشرت التخصيب حتى بلوغ نسبة 60%، علماً أن إيران بمعزل عن كل الإتفاقيات، تُعلن على الدوام أنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، إلتزاماً منها بفتوى المرشد الأعلى الإمام الراحل علي خامنئي، بتحريم أي سلاح دمار شامل قد يؤدي إلى قتل أبرياء، ولم يطرأ أي تعديل على هذه الفتوى، سوى أن المرشد الجديد السيد مجتبى خامنئي، أضاف إليها بمواقفه السيادية ملحقاً جديداً، أن اليورانيوم هو من تراب إيران يتم رفع تخصيبه أو تخفيض تخصيبه داخل إيران، ومن المحظور نقله خارج البلاد.
الجزئية الثانية، أن مضيق هرمز الذي هلل الرئيس ترامب لفتحه بعد التوقيع، كان مفتوحاً قبل الحرب دون أية عوائق أو رسوم عبور من طرف إيران، أما الإتفاقية الحالية فقد حددت فتحه مجاناً لمدة ستين يوماً فقط، على أن يُنظر في المفاوضات بجعله تحت إدارة مشتركة من إيران وسلطنة عُمان، لقاء رسوم عبور تحت عنوان " تنظيم العبور والصيانة الدورية".
الجزئية الثالثة، أن عبارة دفع تعويضات العدوان على إيران من أميركا وحلفائها، تم استبدالها في الإتفاقية بعبارة تتعهد الولايات المتحدة مع حلفائها الإقليميين بإعادة تأهيل وتنمية الجمهورية الإسلامية الإيرانية بقيمة 300 مليار دولار، إضافة إلى رفع العقوبات والإفراج عن الأصول والأموال الإيرانية، وعادت إيران إلى تصدير نفطها فور توقيع الإتفاقية دون أية قيود أو عوائق، وما على المتابع سوى الاطِّلاع على تفاصيل هذه الاتفاقية، والحُكم عليها إذا كانت تسليماً من أميركا بالأمر الواقع أم استسلاماً موصوفاً لأعتى قوة في العالم أمام قوة الحق.
أسقِطوا الحكومة حتى لا تسقط "علي الطاهر" _ د. نسيب حطيط
المقاومون الذين أسقطوا "إسرائيل الكبرى"... آباء النصر الإلهي _ د. نسيب حطيط
الاتفاقية الإيرانية - الأمريكية... لإعادة رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط _ د. نسيب حطيط