ليس وقفاً للنار.. بل مشروع تسوية شاملة _ د. نسيب حطيط

الثلاثاء 16 حزيران , 2026 01:22 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
إن المفاوضات الإيرانية - الأمريكية، والحرب بين المقاومة اللبنانية و"إسرائيل"، هما خطان لقطار التسوية الشاملة بالنار والمفاوضات، مع تعديل جوهري وأساسي في وجهة التسوية، خلافاً للرؤية الأمريكية - "الإسرائيلية" التي تخوض الحرب لفرض تسوية شاملة عنوانها "السلام بالقوة" لضمان أمن "إسرائيل"، وتثبيت سيطرتها على المنطقة وثرواتها وعقيدتها، وتنفيذ مشروع "إسرائيل الكبرى"، و"الشرق الأوسط الأمريكي"، و"الديانة الإبراهيمية"، عبر القضاء على محور المقاومة، وقد أنجز التحالف الأمريكي جزءاً كبيراً من مشروعه، ولم يتبقَّ أمامه من العوائق إلا إيران والمقاومة اللبنانية، التي يشن عليها حرباً عالمية بدعم حكومي وسياسي، لبناني وعربي.
شنت "إسرائيل" الحرب واجتاحت لبنان، بالتلازم مع الحرب على إيران، واغتيال "المرشد" لإسقاط النظام، وقطع رأس المشروع المقاوم عقائدياً وعسكرياً، واعادة احتلال إيران، فتعرضت إيران لضربة تشابه تلك التي تلقتها المقاومة اللبنانية باغتيال قائدها وكل قياداتها المركزية العسكرية، وتدمير مخازن أسلحتها ومنصات صواريخها، لكنها نجت، كما نجت المقاومة اللبنانية، وعادتا إلى ميادين القتال، واستطاعت ثنائية المقاومة اللبنانية وإيران الإمساك بزمام المبادرة الميدانية رغم عدم تكافؤ القوى والقدرات والتقنيات.
مئة يوم من الحرب غيّرت وجه المنطقة وقلبت المعادلات والوقائع وفرضت التغيير على مسار التسوية، فبدل أن تكون لصالح أمريكا على حساب حركات المقاومة والقضية الفلسطينية، استطاع محور المقاومة فرض نفسه مفاوضاً وشريكاً في تقرير مصير المنطقة، وأبدى استعداداً للتفاوض تحت ظل السلاح لحفظ الحقوق وتخفيف الخسائر، وتقليص الشروط الأمريكية و"الإسرائيلية"، مع عدم ممانعته بتسوية شاملة في المنطقة، بعدما حوصر وأُنهك وبقي وحيداً في الميدان، باعتباره آخر المقاومين بعد أن استسلم أغلب العرب والمسلمين وبعدما  تعرّض لنكسة كبرى إثر تعرض المقاومة المسلحة الفلسطينية لشبه إبادة، ونزع سلاح، وحصار، مما أفقد المحور ورقة القوة الأساسية في الصراع ضد التحالف الأمريكي - "الإسرائيلي".
تحاول ثنائية "المقاومة اللبنانية وإيران" اغتنام فرصة نجاتها من القتل والتصفية، وحاجة أمريكا الملحة لوقف إطلاق النار، بعدما استطاعت إيران، بذكاء وحسن إدارة للحرب، نقل الحرب الأمريكية عليها إلى حرب أمريكية على الاقتصاد العالمي، بما فيه الاقتصاد الأمريكي عبر مضيق هرمز. يُضاف إلى ذلك ورقة القوة الثانية المتمثلة بالمقاومة اللبنانية وصمودها الكربلائي، الذي أصاب الجيش "الإسرائيلي" وقيادته السياسية بالعجز عن حسم الميدان، رغم توفر كل الظروف المساعدة "لإسرائيل" سياسياً وعسكرياً في الداخل اللبناني والخارج، مما دعم الموقف المفاوض الإيراني الذي بات يمسك بورقة مضيق هرمز ضد أمريكا بيده اليمنى، وبصمود المقاومة اللبنانية ضد "إسرائيل" بيده اليسرى.
وكما تحاول ثنائية المقاومة اغتنام لحظة الضعف الأمريكي "الظرفي"، تحاول أمريكا أيضاً اغتنام فرصة الإنهاك "الظرفي" لإيران والمقاومة اللبنانية، وتقديم بعض التنازلات لشراء فرصة ذهبية لن تتكرر لوقف النار الشامل في الشرق الأوسط بعد 70 عاماً من القتال والحروب، فإذا تم تحييد بندقية المقاومة "الشيعية" الباقية والوحيدة، بعد تحييد بندقية المقاومة "السنيّة" على مستوى حركات المقاومة والأنظمة، وغياب البندقية "القومية" و"العلمانية" فإن أمريكا ستنجح بإحداث تسوية شاملة تحمي مصالحها وتثبّت سيطرتها على المنطقة.
بعد فشل مشروع "السلام بالقوة"، الذي أعلنه ترامب فإن واشنطن تتصرف بواقعية وفق مشروع "السلام بالتفاوض"، الذي تسميه إيران ومحور المقاومة "عدم الاعتداء"، لإبقاء "إسرائيل" عدواً، ولتأكيد عدم الاعتراف بها كدولة، حفظاً للقضية الفلسطينية، وبانتظار توفر الظروف للأجيال القادمة لاسترجاع الحق الفلسطيني.
ستطول المفاوضات الإيرانية - الأمريكية؛ لأنها لا تتعلق بمسألة السلاح النووي، أو سلاح المقاومة في لبنان، أو الودائع والأرصدة والصواريخ، بل لأنها تناقش مشروع تسوية سياسية له انعكاساته العقائدية، والعسكرية، والاقتصادية، والاستراتيجية، لخمسين او مئة عام قادمة، والنقاش الأساسي والأسئلة المطروحة هنا:
هل تتم المفاوضات بالتلازم مع إطلاق النار "الإسرائيلي" على المقاومة اللبنانية؟
هل يتم تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان ومتمماته من الانسحاب، وإعادة الإعمار، وعودة الأهالي حتى لا يبقى لبنان تحت النار طوال فترة المفاوضات التي يمكن أن تطول لسنوات.
هل تكون اتفاقية إسلام آباد آخر الاتفاقيات لإنهاء الصراع بين محور المقاومة والتحالف الأمريكي - "الإسرائيلي"، أم ستكون اتفاقية لشراء الوقت للطرفين استعداداً للحرب القادمة؟
تفاوض ثنائية "المقاومة اللبنانية وإيران" وفق ثلاثية (حفظ العقيدة، والوجود، وعدم الاعتراف "بإسرائيل") وتفاوض أمريكا وفق ثلاثية (السيطرة، وحفظ "إسرائيل"، ونهب الثروات) وتجري المفاوضات لإنجاز تسوية تحفظ ثلاثية المقاومة وثلاثية أمريكا معاً.. مع قناعة الطرفين بأن الحرب بينهما ستقع عاجلاً أم آجلاً، لأنها ليست حرب جغرافيا ونفط وغاز، بل هي حرب دينية، وأخلاقية، وإنسانية.. حربٌ بين الخير والشر.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل