النصر الإيراني: هزيمة أميركية وخيبة صهيونية.. و"فعل ندامة" خليجي _ أمين أبوراشد

الثلاثاء 16 حزيران , 2026 01:18 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

أجمعت الكثير من التقارير الاستخبارية على أن بنيامين نتانياهو كان وراء توريط الرئيس دونالد ترامب في الحرب على إيران، وحدد له مهلة أربعة أيام لإسقاط النظام الإيراني بعد اغتيال المرشد الأعلى، ولا لوم على ترامب الذي بلغ الثمانين، ووضعه الصحي والنفسي قيد التشكيك والمراقبة، أن يُسيء تقييم القدرات الإيرانية، ولكن أن تقع الدول الخليجية في خطأ التقييم، فلأنها لا تعتمد معايير سيادية وطنية بقدر ما هي تبحث عن حمايات فردية للعروش العائلية، بدليل أنها سعت فرادى لتلاوة فعل الندامة أمام إيران، مع دفع "كفَّارة" عن عمالتها ومشاركتها في العدوان عبر التواجد الأميركي على أراضيها.

والمشكلة التي تعاني منها دول الخليج، أن جيوشها مستوردة، وهي (باستثناء سلطة عُمان) تعتمد على تطويع عناصر الجيش والشرطة من الوافدين إليها من اليمن والسودان وعُمان للرتباء والأفراد، مع إبقاء مناصب الضباط والقيادات العليا لأبناء البلد، وتحديداً أبناء العشائر والقبائل المُقرٌَبة من العائلة الحاكمة في كل دولة، بما يعني أن الولاء في هذه البلدان هو للعرش العائلي وليس لمفهوم الوطن.  

وخلال العدوان الأميركي الصهيوني على إيران، انقسمت دول الخليج في المواقف وحتى بالمشاركة بنسب متفاوتة في هذا العدوان، سواء من خلال القواعد الأميركية، أو من خلال المواقف السياسية لأنظمتها، بحيث تمايزت سلطنة عمان عن الجميع واعتبرت أن إيران دولة جارة ولا يجوز السماح بالعدوان عليها.

وفي الوقت الذي دفعت فيه البحرين والكويت ومعهما الأردن ثمن التكافل والتضامن مع أميركا والصهاينة في هذا العدوان، تمايزت دولة الإمارات في معاداة إيران إلى حدود أن قيادة أبو ظبي نسيت حجمها، وقررت دخول الحرب مع أميركا والعدو الصهيوني، ودَعَت الرئيس ترامب للاستمرار في هذه الحرب حتى إسقاط النظام الإيراني، ولذلك كانت للإمارات "حصة الأسد" من الصواريخ والمسيٌَرات الإيرانية.

وما لجم اندفاعة محمد بن زايد المتهوِّرة، سوى المواقف السعودية والقطرية الرافضة لاستمرار هذه الحرب، إضافة إلى مواقف داخلية من بعض حكام الإمارات التي هددت بانهيار الاتحاد ما لم يرتدع حاكم أبو ظبي عن غيِّه، خصوصاً أنه الحاضن لأكذوبة "وحدة الديانات الإبراهيمية"، ويستضيف مقراً لها في أبو ظبي، وشرعن لنفسه "التبشير" بها مع مجموعة من كبار الحاخامات "الإسرائيليين"، لا بل بالغ في "التطوُّع" لها ولو على حساب القضية الفلسطينية والدول العربية والإسلامية، وصولاً إلى إعلان التحالف العسكري مع الكيان الصهيوني، وإدخال بطاريات القبب الحديدية الصهيونية إلى أرض الإمارات لمواجهة إيران.

وقبل التطرق إلى ما ذكرته كل من وكالتيّ "بلومبرغ" و"رويترز" عن هرولة نظام محمد بن زايد إلى طهران لاسترضائها، لا بل وشراء الأمن منها بعد قرار ترامب وقف الحرب غير المجدية على إيران والذهاب حتى النهاية إلى المفاوضات، لا بد من التطرق إلى الوضع الداخلي الإماراتي واهتزاز عرش آل نهيان على رأس اتحاد دولة الإمارات السبع.

من أصل هذه الإمارات السبع هناك أربعاً تفتقر إلى الثروة النفطية نوعاً ما، وتعتمد في تمويل نفسها على الميزانية الاتحادية، وهذه الإمارات هي: عجمان، أم القيوين، رأس الخيمة والفجيرة، وهي مُحتاجة مالياً و"تعتاش" من الاتحاد، ولا يستطيع حكامها الاعتراض على نهج محمد بن زايد السياسي، كون إمارة أبو ظبي النفطية تتحمل وحدها 90% من تمويل ميزانية الإتحاد.

الإمارات الثلاث الباقية هي دبي والشارقة إلى جانب أبو ظبي، ووقف كل من حاكم دبي محمد بن راشد، وحاكم الشارقة سلطان القاسمي بوجه حاكم أبو ظبي محمد بن زايد سياسياً، كل منهما من وجهة نظر معاكسة للآخر.
محمد بن راشد تحدث في الكثير من التغريدات عن "خيانة الأمانة"، وعن تفرد أبو ظبي بقرار المشاركة في الحرب على إيران دون قرار جماعي من حكام الإمارات، سيما أن دبي دفعت أثماناً باهظة نتيجة الضربات الإيرانية، وانهياراً كلياً للقطاع السياحي وهروباً للرساميل والمستثمرين إلى هونغ كونغ وسنغافورة، باعتبار أن دبي لم تعُد الملاذ الآمن للأموال، خصوصاً تلك التي يتم غسلها وتبييضها باستثمارات عقارية في الإمارة، إضافة إلى النكبة التي أصيبت بها الفنادق والمنتجعات وقطاع الترفيه.

حاكم الشارقة سلطان القاسمي الذي يتميز بإلتزامه الديني وتطبيق الشريعة في إمارته، يمنع بيع وتقديم الكحول، ولا يسمح حتى بفتح مقاهي النراجيل وبيع التبغ، له مواقف من بن زايد رافضة للتطبيع مع "إسرائيل" وتوقيع أية اتفاقيات معها، وله قول مشهور في هذان الشأن: "ممنوع دخول أي إسرائيلي إلى إمارة الشارقة"، وله مواقف مستاءة من مشاركة الإمارات في العدوان على دولة مسلمة مثل إيران، وكانت له محاولات إنفصال عن دولة الإمارات بسبب مشاركتها في الحرب، ما كاد يؤدي إلى تفكك الاتحاد.     

من جهة أخرى، كشفت إثنتان من كبريات وكالات الإعلام الدولية، حقيقة وضع دولة الإمارات في ظل تهوُّر قيادة أبو ظبي، التي انقلبت سياسياً بعد النصر الإيراني والانكفاء الأميركي: 
"بلومبرغ"، ذكرت أن كبار مسؤولي الأمن القومي في الإمارات وإيران عقدوا اجتماعاً مباشراً للمرة الأولى بطلب إماراتي منذ بدء الحرب على إيران، في خطوة تعكس تطوراً لافتاً في مسار العلاقات بين الجانبين، وأن الاجتماع شهد تحولاً جذرياً في هذه العلاقات، في ظل التحركات الدبلوماسية الجارية في المنطقة والتطورات المرتبطة بالحرب، وأن التواصل بين أبو ظبي وطهران كان مدفوعاً بشكل أساسي برغبة الإمارات في تحقيق انفراجة في العلاقات، وفتح قنوات تواصل مباشرة بين الطرفين.

وأضافت "بلومبرغ"، أن اتفاقاً حصل بين الطرفين يُتيح الإفراج عن ما لا يقل عن 10 مليارات دولار من الأموال الإيرانية على دفعات، وأن الشريحة الأولى البالغة 3 مليارات دولار تم تحويلها بالفعل، مع العمل على إعادة بناء علاقات إقتصادية متينة بين البلدين.
 
بدورها وكالة "رويترز" استندت الى أربعة مصادر وأفادت، أن الإمارات وافقت على الإفراج ​عن مليارات الدولارات لإيران؛ في تحوُّل تكتيكي بعد هجمات إيرانية لأسابيع على هذه الدولة الخليجية الثرية خلال الحرب الأميركية "الإسرائيلية" على الجمهورية الإسلامية.

في الخلاصة، ووسط حديث عن اتفاقات مماثلة قد يتم إعلانها بين إيران ودولتين خليجيتين على الأقل، لا نجد ضيراً أن تعترف الدول الخليجية - ولو ضمنياً - بالنصر الإيراني، خصوصاً تلك التي استعانت بأميركا لحمايتها ودفعت ترليونات الدولارات لبناء قواعد أميركية على أراضيها، ولم تتمكن هذه القواعد من حماية الدول المُستضيفة لها ولا حماية نفسها، وآن لهذه الدول أن تعترف لإيران بالريادة السياسية والسيادة الأمنية على شرق أوسط جديد، لا هيمنة أميركية عليه ولا أوهام صهيونية بما تسمى "إسرائيل الكبرى".. والسلام.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل