الثبات-إسلاميات
يقدّم القرآن الكريم في سورة الكهف نموذجًا إنسانيًا بالغ الدلالة من خلال قصة صاحب الجنتين، وهي قصة لا تقف عند حدود الزمان والمكان، بل تخاطب النفس البشرية في كل عصر، وتكشف طبيعة العلاقة المعقّدة بين الإنسان والمال، وبين النعمة والشكر، وبين الغنى والإيمان.
يقول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾
يستهلّ القرآن القصة بوصف دقيق لوفرة النعمة وكمالها؛ جنتان مثمرتان، محاطتان بالنخيل، تجري من تحتهما الأنهار، في صورة تجمع الجمال والرخاء والاستقرار.
غير أن هذا الإنعام الإلهي لم يُقابل بالشكر، بل قاد صاحبه إلى الغرور، فدخل جنته معجبًا بماله، غافلًا عن المنعم، قائلًا: ﴿مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا﴾
لم يتوقف الأمر عند حدود الإعجاب، بل تجاوزه إلى الشك في الآخرة، وربط النعمة بالاستحقاق الذاتي، وهو من أخطر مظاهر الانحراف العقدي حين تتحول النعمة إلى دليل وهمي على رضا الله المطلق.
وقد عبّر القرآن عن هذه الحالة بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ في مقابل هذا النموذج، يبرز صوت الإيمان ممثلًا في الرجل الآخر، الذي لم يملك المال، لكنه امتلك البصيرة.
خاطب صاحبه بهدوء العالم وحكمة الناصح، مذكّرًا إياه بحقيقته الأولى: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾
كما لفت انتباهه إلى أدبٍ قرآني رفيع في التعامل مع النعمة، يغيب عن كثير من الناس: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾
وهذا المعنى تؤكده السنة النبوية، إذ يقول رسول الله ﷺ: ((إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها))
لكن الغفلة إذا استحكمت أغلقت أبواب الاتعاظ، فجاء أمر الله فجأة، فزالت الجنتان، وتحوّل الغنى إلى حسرة، والطمأنينة إلى ندم: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا﴾
وفي هذا المشهد المؤلم، تتكشف الحقيقة التي كثيرًا ما تغيب في زمن الازدهار: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾
لقد لخّص النبي ﷺ جوهر هذه القصة حين قال: ((والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبسط الدنيا عليكم… فتهلككم كما أهلكتهم))
إن قصة صاحب الجنتين ليست إدانة للغنى، بل تحذير من الغفلة، وليست دعوة إلى الزهد المطلق، بل إلى شكر النعمة وربطها بالإيمان. فهي تذكير دائم بأن المال وسيلة اختبار، وأن البقاء الحقيقي ليس للجنات، بل للقيم التي تحفظ الإنسان حين تزول كل الجنات.
الدعاء وآدابه
ليلة النصف من شعبان: فرصة للمغفرة وإصلاح القلوب
حين يرتفع الذهب… وتضيق الصدور