وانتصر دمنا على سيوفهم... لم ينتصروا ولم ننهزم _ د. نسيب حطيط

الإثنين 15 حزيران , 2026 11:17 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
على مشارف عاشوراء، وبعد مئةِ يومٍ من القتال الكربلائي الأسطوري الذي خاضه المجاهدون الأبطال في لبنان، وصمود أهلنا الشرفاء وصبر النازحين لحماية المقاومة، ومن نافذة "ثنائية" الميدان اللبناني مع المقاومة السياسية المظلّلة بالصواريخ الإيرانية، أنجانا الله من تنفيذ حكم الإعدام الصادر ضدنا لأننا آخر المقاومين للمشروع الأمريكي - "الإسرائيلي"، وآخر حَمَلَةِ سلاح الشرف في العالمين العربي والإسلامي"والجبهة المقاتلة الوحيدة، بعدما استسلم الكثيرون، وبعدما قاتل الفلسطينيون في "غزة "حتى الطلقة الأخيرة والبيت الأخير والشهيد الأخير.
مئة يوم من القتال الكربلائي، وثلاث سنوات من الحرب، وثلاثون ألف شهيد وجريح، و400,000 بيت ومؤسسة تجارية وعامة، و55 قرية ومدينة مدمرة، ومليون "شيعي" مهجّر ، و"شهداء ودائع" ينتظرون في قبورهم المؤقتة العودة إلى الديار، وأرزاق وبيوت جمعها وبناها “الشيعة" طوال 200 عام تم تدميرها وإحراقها ونهبها، وحصارٌ مطبق من كل الجهات، ووعيد بالتهجير إلى العراق، وأمرٌ حاسم بعدم العودة إلى الجنوب، وإعلان بدء الاستيطان وعدم الانسحاب، وأوامر بإلقاء السلاح، وحكومة غادرة تصنّف المقاومين وأهلهم بأنهم خارجون عن القانون، وأنهم العدو المشترك لها وللعدو "الإسرائيلي" وأمريكا، وبينما كان الجميع ينتظر موتنا وتهجيرنا وسبي نسائنا؛ كما توعّد الوزير بن غفير، وكما أفتى حاخام الجيش "الإسرائيلي"  إيال كريم بجواز اغتصاب النساء غير اليهوديات في الحرب، صمد المقاومون الكربلائيون مع أهلهم الشرفاء، وتحصّنوا في قلعة الآية الكريمة {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، وقاتلوا حتى الاستشهاد، فلا أسرى ولا جرحى ولا فارّين من الميدان، بل صفوف تنتظر الوصول إلى الجبهات...
بعد مئة يومٍ من القتال وثلاث سنوات من الحرب، لم ينتصر أعداؤنا، ولم ننهزم، ولم نستسلم، ويمكن إحصاء الخسائر والأرباح لكل طرف وفق التالي:
أولاً: أرباح التحالف الأمريكي - "الإسرائيلي" (المرحلية والاستراتيجية):
- إنجاز مرحلة كبيرة للقضاء على المقاومة الفلسطينية المسلحة، تمهيداً لإطفاء هذه القضية، ونقلها من قضية شعب ودولة فلسطينية إلى قضية لاجئين بلا هوية.
- تحقيق خطوات كبرى على طريق تأسيس "إسرائيل الكبرى" والشرق الأوسط الأمريكي، بإسقاط اغلب العالم العربي والإسلامي، دولاً وأحزاباً، ومؤسسات دينية، ومثقفين.
- السيطرة الأمريكية الأحادية على ثروات العرب النفطية والغازية، وتنصيب الحكام والأنظمة السياسية، وصولاً إلى الفتاوى الممنهجة لتهجين الإسلام وإفراغه من مضمونه، وتلقيح الأمة بالجماعات التكفيرية أو "بالديانة الإبراهيمية".
- تحقيق خطوات كبرى على طريق إنهاء الصراع المسلح بين "إسرائيل" والعرب والمسلمين، في حال نجاح الاتفاق الأمريكي - الإيراني بعدم الاعتداء، وتحييد آخر بندقية مقاومة لا زالت تقاتل، والتي تحتاج إلى سنوات لاستعادة عافيتها بعد الضربات القاتلة والمنهكة التي تلقتها.
ثانياً: أرباح المحور (مرحلياً واستراتيجياً):
- الثبات العقائدي بحفظ الإسلام الأصيل وعدم الاستسلام، والقتال حتى الاستشهاد.
- إنقاذ مشروع المقاومة العربي والإسلامي من الإعدام، وحفظ "الخميرة "العقائدية والثقافية والميدانية لإعادة إحيائه.
- إفشال "اكتمال" مشروع "إسرائيل الكبرى" والشرق الأوسط الأمريكي الجديد - ولو مؤقتاً - أو استثناء ساحات المقاومة منه بالحد الأدنى.
- حفظ الوجود السياسي والديمغرافي، والنجاة من الحرب العالمية التي تعرضنا لها منفردين.
- الانتقال من دائرة الضحايا والمتلقين لأوامر أمريكا و"إسرائيل"، إلى دائرة الشراكة في تقرير مصير الشرق الأوسط (نسبياً)، وحفظ الوجود بالتلازم مع الثبات على المبادئ.
إن احتساب الخسائر والأرباح لمحور المقاومة والتحالف الأمريكي - "الإسرائيلي" يُظهر أن خسائر "المحور" كانت إنسانية بالأرواح من الشهداء والجرحى، وآلام النازحين ومادية تدمير البيوت والأرزاق، أما خسائرهم فكانت على المستوى السياسي والاستراتيجي والأخلاقي، فلم يستطيعوا تحقيق هدفهم الأساس بالقضاء على نواة المقاومة المتبقية في "الشرق الأوسط"، والفشل بتفكيك “ثنائية المقاومة اللبنانية وإيران"، ولم يستطيعوا فرض "السلام بالقوة".
خسارتهم الأساسية تتمثّل باضطرارهم للاعتراف بمحور المقاومة، بعدما أعلنوا موته، والتفاوض معه "الند للند"، وقبوله شريكاً في تقرير مصير "الشرق الأوسط"، كطرف يمتلك القوة للدفاع عن نفسه وإلحاق الخسائر بالتحالف الأمريكي - "الإسرائيلي".
الفارق بين خسائرهم وخسائرنا أن خسائرنا كانت مادية يمكن تعويضها على مستوى البيوت والأرزاق، وخسائر ثمنها الشرف والكرامة للشهداء والأحباب، أما خسائرهم فتحتاج إلى وقت غير قصير لتعويضها، بعدما كانت أهدافهم بمتناول أيديهم، فلو انهزمت المقاومة في لبنان ولم تصمد إيران، لكان النصر الواضح للتحالف الأمريكي - "الإسرائيلي" بالسيطرة على المنطقة مئة عام القادمة.
انتصر دمنا على سيوفهم.. فلم ينتصروا ولم ننهزم.. ولم تنتهِ الحرب...
الشكر لله الجبّار... والسلام على الشهداء.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل