أقلام الثبات
كيف لمٌسيَّرة إيرانية كلفتها عشرة آلاف دولار أن تُسقط طائرة "أباتشي" فخر الصناعة الأميركية؟ فيما تغريدات الرئيس ترامب كما الطائر التائه: "سنضرب إيران حتى نُدمِّرها" ثم: "اتصل بي مسؤولون إيرانيون وطلبوا مني التوقُّف عن القصف".
قبل المونديال بساعات، ظهر في مدرجات لعبة كرة السلة يتابع مباراة بطولة، ورأت الجماهير صورته على الشاشة العملاقة وهو يلتهم علبة بطاطا، فقامت القيامة ولم تقعد احتجاجاً على وجوده، لأن الشعب الأميركي بات يعتبره اللاعب الأكثر خيبة من بين كل رؤساء أميركا، مع إجماع استطلاعات الرأي على أن شعبيته انحدرت إلى 31%.
تهديده الأخير بتدمير إيران، يشبه إلى حدٍّ بعيد تلك الهلوسة التي انتابته عندما توعَّد بالقضاء على "الحضارة الإيرانية"، وهو لا يمتلك الخطة ولا الإمكانيات اللوجستية والعسكرية لمواجهة دولة كبيرة بمساحتها وجيشها وشعبها وصناعتها الحربية الذاتية وبعقيدتها القتالية، وبالتالي، انتهت الأمور به الى الإعلان عبر شبكة ABC News، أن "الردّ على إيران مهم للغاية بعد إسقاط المروحية".
وكالعادة، الرئيس ترامب يمتلك بوقاً لإعلان الحرب أكثر مما يمتلك عدَّة وعتاد الحرب، بضع ضربات بصواريخ توماهوك مساء الثلاثاء على مناطق متفرقة من جنوب إيران، تركزت في مدينة سيريك الساحلية ومحيط ميناء بندر عباس وجزيرة قشم، وجاء الردّ الإيراني عنيفاً على قواعد أميركية في الكويت والبحرين والأردن.
واللغة السياسية الإيرانية واكبت الردّ العسكري بنفس المستوى من الحِدَّة، وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عبر منصة (X) ، أن "بلاده في حالة تأهب دائم لمواجهة أي انتهاك للمجال الجوي أو الأراضي أو المياه الإيرانية، والقوات الأجنبية القريبة من أراضينا معرضة لخطر دائم، نتيجة أخطائها البشرية أو الحوادث العادية أو احتمال وقوعها في مرمى النيران المتبادلة، ولتقليل هذا الخطر فالحل الأمثل للقوات الأجنبية هو الرحيل".
شاء عراقجي في تغريدته إنهاء جدلية "هوية" مضيق هرمز وقال: "هرمز ليس مياهاً دولية، بل ممر مائي مشترك بين إيران وسلطنة عُمان ويبعد آلاف الأميال عن السواحل الأميركية".
من جهته، يرى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة شيكاغو "جون ميرشايمر"، أن هجوم 28 فبراير على إيران هو أكبر خطأ ديبلوماسي، ويتجاوز الحرب على العراق عام 2003، وأن أمام إدارة ترامب ثلاثة خيارات كلها خاسرة:
- تجديد القصف على إيران، يؤدي إلى كارثة إقتصادية عالمية.
- توقيع صفقة، يعني إعلان انتصار إيران رسمياً.
- الحصار والانتظار يسببان ركوداً وتضخماً قبل الانتخابات النصفية.
وأما عن النتائج، يقول ميرشايمر: "لا تغيير في النظام الإيراني، والبرنامج النووي سليم، وكمية 440 كلغ من اليورانيوم عالي التخصيب ما زالت داخل إيران".
والمعروف عن ميرشايمر أنه المُفكِّر والمُنظِّر السياسي الأبرز في الولايات المتحدة، وأنه متحرر من القيود الحزبية، ويعتمد في قراءاته للأمور على الوقائع والتحليل العلمي،
وقد أعلن منذ فترة أن إيران خرجت كـ"منتصر واضح" في الصراع المباشر مع الولايات المتحدة و"إسرائيل"، ووصف الحرب بأنها هزيمة للولايات المتحدة، وتسببت في تدهور موقف التحالفات الأميركية، وفشل واشنطن في تحقيق أي من أهدافها الاستراتيجية.
تتلخص قراءة "ميرشايمر" لانتصار إيران في النقاط التالية:
- فشل استراتيجية الحصار: واشنطن وتل أبيب خاضتا حرب استنزاف لم تستطع تركيع إيران، وأشار إلى أن مضيق هرمز أصبح بقبضة طهران الصلبة.
- غياب الأهداف: انتقد الإدارة الأميركية لِشنِّها حرباً دون أهداف واضحة، واصفاً ما يجري بأنه رسالة ضعف "تُظهر الولايات المتحدة كمجموعة من الحمقى الذين أشعلوا حرباً لا يمكنهم الفوز بها".
- مأزق الصواريخ الدفاعية: أشار إلى الخلل في موازين الردع، مؤكداً أن إيران لا تحتاج إلى بحرية ضخمة، بل يكفيها ترسانة الصواريخ التي تمتلكها لتوجيه ضربات موجعة وفرض شروطها.
- حدود القوة الأمريكية: أوضح أن الولايات المتحدة تجد نفسها عاجزة عن إنهاء الحرب بسهولة بسبب القيود والضغوط، مما سيجبر إدارة ترامب في النهاية على القبول بالجلوس والتفاوض مع طهران.
وعن وضع دول مجلس التعاون الخليجي وسط الفوضى التي أحدثتها حرب ترامب على إيران، وتوريط بعض هذه الدول معها، يروي الأكاديمي والسياسي الكويتي عبد الله النفيسي هذه الواقعة فيقول: "كان لديّ (مركز ابن رشد للدراسات والأبحاث) في لندن، وجعلتُه ملتقى أستضيف فيه أعضاء من الكونغرس الأميركي ومجلس العموم البريطاني والبرلمان الأوروبي، وكانت النقاشات تدور حول دراسة القرارات الغربية قبل اتخاذها وإعلانها رسمياً، وفي إحدى جلسات النقاش قلت للضيوف: "إن دولنا الخليجية لن تقبل وسترفض هكذا قرار".
ضحك أحد الحاضرين من مجلس العموم البريطاني وأجابني: "أنتم لستم دولاً، أنتم فقط محطات بنزين بالنسبة لنا وكل محطة ترفع علماً، تأتيكم ناقلات النفط وعليكم تحميلها وليس أكثر".
وأنهى النفيسي مداخلته بالقول: أميركا لا وقت لديها من أجلنا عند انتفاء مصلحتها، لأن وجهة همومها هي الصين، وأميركا لا يقتلعها من منطقتنا سوى أمثال الرجال الحُفاة الأشداء في أفغانستان، الذين ما استطاعت تطويعهم على مدى 20 عاماً من الاحتلال، واعتمدت أسلوب الهروب في انسحابها من بلادهم، تاركة لهم خلفها كل أسلحتها.
هل تُكلّف أمريكا "جبهة النصرة" بغزو لبنان.. لنصرة "إسرائيل"؟ _ د. نسيب حطيط
حدث كبير في طهران وبيروت.. "الحزب جهّز المفاجأة الكبرى"! _ ماجدة الحاج
الحرب الأمريكية على محور المقاومة بالمفاوضات والنار _ د. نسيب حطيط