لبنان ليس طائفة

الثلاثاء 09 حزيران , 2026 09:59 توقيت بيروت مقالات مختارة

مقالات مختارة
لم يكن لبنان يوماً كتلةً صمّاء.. إنه بلدٌ نُسج من حيواتٍ متشابكة، وذكرياتٍ متداخلة، وولاءاتٍ متعددة؛ بيروت، وجبل لبنان، والشمال، والشوف، والبقاع، والجنوب.. لكلٍّ منها إيقاعها الخاص، غير أنها جميعاً تنتمي إلى الرواية
الوطنية ذاتها.
الكنائس والمساجد والمعابد التي وقفت جنباً إلى جنب عكست حقيقةً أعمق من السياسة؛ لبنان دائماً أكبر من أي
طائفة، واليهود اللبنانيون كانوا جزءاً من هذه الفسيفساء أيضاً.
حين يُوصف الجنوب على أنه ملكٌ لطائفةٍ واحدة، يكون البلد قد بدأ يُهيّئ نفسه للتخلي عنه، وحين تُعامَل فقر
طرابلس على أنها مشكلة الآخرين، وحين يصبح الاغتراب أمراً عادياً، وحين يُختزل الألم في حسابات فئوية،
فإن لبنان يتشقق في اللغة والنحو قبل أن يتشقق على الأرض.
الجنوب لجميع اللبنانيين، والبقاع لجميع اللبنانيين، وبيروت لجميع اللبنانيين، والجبال والساحل والليطاني والأرزة على العلم وعلى الأرض.. كلها لبنان، لجميع اللبنانيين.
غير أن الدولة الحديثة عجزت عن الوفاء بأبسط واجبات السيادة؛ فشلت في الدفاع عن أراضيها، وحماية مواطنيها،
واسترداد الودائع المنهوبة، وتحقيق المساءلة بعد انفجار مرفأ بيروت، ويظل اللبنانيون يعيشون في ظل دولةٍ تُدير
التبعية بدلاً من أن تمارس السيادة.
نشأت جراح لبنان من إخفاقاتٍ داخلية وضغوطٍ خارجية في آنٍ معاً؛ الفساد والمحسوبية والفساد المالي والولاءات
المُضلَّلة والسياسة الطائفية، كل ذلك أوهن البلد من الداخل، والتنافسات الإقليمية والتدخلات الأجنبية والحسابات الجيوسياسية قيّدته من الخارج، وقد غذّت هذه القوى بعضها بعضاً، فأنتجت دولةً باتت عرضةً للتلاعب والأزمات.
شكّل الاجتياح "الإسرائيلي" عام ١٩٨٢ منعطفاً حاسماً، فالاحتلال والتدمير وانهيار سلطة الدولة هيّأت الظروف التي اكتسبت فيها المقاومة المسلحة شرعيتها في أوساط المجتمعات التي شعرت بالتخلي عنها والانكشاف. نشأت
المقاومة لأن كثيراً من اللبنانيين آمنوا بأنه لن يدافع أحدٌ غيرهم عن بيوتهم وقراهم وعائلاتهم.
هذه الحقيقة تستوجب الاعتراف الصريح؛ لم تنشأ المقاومة من شعاراتٍ أو وصاية خارجية نشأت من التجربة
المعاشة، والتاريخ في هذا الشأن معلِّمٌ بليغ. الدول التي تشكك اليوم في شرعية المقاومة اللبنانية هي ذاتها الدول التي احتفت بمقاوماتها حين اقتضت الظروف، فالمستوطنون الأمريكيون شكّلوا ميليشياتٍ وخاضوا كفاحاً مسلحاً من أجل الاستقلال في مواجهة قوةٍ لم يكن بمقدورهم منازلتها بالوسائل التقليدية، وشبكات المقاومة الفرنسية عملت خارج هياكل الدولة إبان الاحتلال، مسلحةً وسرية، وهي اليوم تُخلَّد بوصفها أبطالاً قوميين.. تجربة لبنان ليست استثناءً.
الاستثناء هو المطالبة بأن يظل لبنان وحده عاجزاً عن الدفاع عن نفسه بينما يتواصل الاحتلال وتعجز الدولة عن سد الفراغ الذي توفره المقاومة، بيد أن مستقبل لبنان لا يمكن أن يرتكز إلى الأبد على مقاومةٍ تُنسب إلى طائفةٍ واحدة، فإنجازات المقاومة الإسلامية وتضحياتها وصمودها باتت جزءاً من الرواية الوطنية اللبنانية، غير أن الدفاع الوطني لا يمكن أن يظل مسؤولية طائفةٍ واحدة، فيما يقف سائر البلد متفرجاً من بعيد.
الخطوة التالية في مسيرة لبنان يجب أن تكون تحويل المقاومة من إطارٍ طائفي إلى إطارٍ وطني حقيقي. الجنوب يُدافَع عنه من أجل لبنان، الحدود ليست حدوداً شيعية. إنها حدودٌ لبنانية. السيادة ليست مصلحةً طائفية، إنها
مصلحةٌ وطنية.
المقاومة التي حررت الأرض وردعت الاحتلال يجب أن تتطور إلى مقاومةٍ لبنانية يتبناها المسيحيون والسنة
والشيعة والدروز والأرمن واللبنانيون العلمانيون وكل مواطنٍ يؤمن بحق البلاد في الدفاع عن نفسها، غايتها الدفاع عن لبنان لا تمثيل أي طائفة.
هذا التحول يستلزم دولةً أقوى لا أضعف، يحتاج لبنان إلى جيشٍ قادرٍ على الدفاع عن أرضه وبحره وأجوائه، ويحتاج إلى قضاءٍ يحقق في الجرائم، ومصارف تخدم المواطنين بدلاً من استغلالهم، وحكوماتٍ تُجيب أمام الشعب
لا أمام الرعاة الأجانب أو شبكات المحسوبية.
لعقودٍ طويلة قيل للبنان إن السلاح لا يجوز إلا للدولة، فيما كان يُحرم في الوقت ذاته من الحد الأدنى من القدرات
اللازمة للدفاع عن نفسه. يُقال للبنان: لا تعتمد على مقاومةٍ من خارج الدولة. لكن الدولة تُبقى أضعف من أن تحل
محلها. تلك ليست سيادة. إنها ضعفٌ مُدار. والضعف المُدار ينتج دفاعاتٍ شاذة، وتبعياتٍ شاذة، وسياسةً شاذة.
الهدف ليس حكم الميليشيات الدائم، ولا العجز الوطني. الهدف هو السيادة.
إلى إخوتنا وأخواتنا المسيحيين: الجنوب ليس غريباً عنكم.. لبنانٌ مُجزَّأ إلى قطعٍ مطيعة لن يحمي الحياة المسيحية؛ لن يفعل إلا أن يحول كل طائفةٍ إلى ورقة مساومة.
إلى إخوتنا وأخواتنا السنة: فقر طرابلس ليس منفصلاً عن قصف الجنوب أو انهيار بيروت.. بلدٌ بلا سيادة لا يستطيع
حماية مستقبل أي طائفة.
إلى إخوتنا وأخواتنا الشيعة: معاناتكم في الجنوب ليست لكم وحدكم. تهجيركم وشهداؤكم وبيوتكم المدمرة وصمودكم.. كلها حقائق لبنانية ينبغي ألا تُترك أي طائفةٍ وحدها تدافع عن البلاد لأن الدولة ترفض الاعتراف بآلامها.
إلى إخوتنا وأخواتنا الدروز: الشوف وحاصبيا يعرفان أن التعايش ليس سلبياً. لبنان يحتاج إلى هذه الغريزة الآن؛
ليس الحياد بين العدل والإذلال، بل الحكمة في منع الخوف من أن يتحول إلى تقسيم.
إلى إخوتنا وأخواتنا الأرمن: الهوية التعددية للبنان ليست مكتملةً من دونكم، ولا يجوز لأي نهضةٍ وطنية أن تُعامل
حضوركم باعتباره ثانوياً.
إلى إخوتنا وأخواتنا اليهود: غيابكم جزءٌ من جرحنا.
إلى اللبنانيين العلمانيين والتقدميين والمستقلين والمنهكين: رفضكم الانحشار في خانةٍ طائفية ليس ضعفاً. إنه أحد الأشكال الأخيرة المتبقية من الصدق في هذا البلد.
لا يشترط لبنان توحد الذكريات أو توحد الآراء السياسية. سيظل المواطنون يختلفون حول حزب الله وإيران وسوريا
وأمريكا وفرنسا وتاريخ الحرب. الأمة الحقيقية قادرةٌ على استيعاب هذه الخلافات. ما لا تستطيع الأمة احتماله هو
الاعتقاد بأن بعض اللبنانيين يحملون عبء السيادة فيما يبقى الآخرون متفرجين.
لن يُعاد بناء لبنان بطائفةٍ واحدة، أو حزبٍ واحد، أو زعيمٍ واحد. سيُعاد بناؤه حين يدرك شعبه أن الدفاع عن
الجنوب، وانتعاش الاقتصاد، وحماية المؤسسات، والحفاظ على السيادة.. كلها مسؤولياتٌ مشتركة.

تلك هي المقاومة الوطنية التي يحتاجها لبنان اليوم: مقاومةٌ لبنانية تنتمي إلى البلاد كلها، وتستمد قوتها من جميع طوائفها، وتخدم لبناناً سيداً فوق كل هوية طائفية.
لبنان ليس طائفة.. إنه لنا جميعاً.

عماد الساحلي


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل