أقلام الثبات
أعلن محور المقاومة معارضته ومقاومته المشروع الأمريكي - "الإسرائيلي" طوال 50 عاماً، بعد انكفاء أكثر العرب والمسلمين، ونصف الفلسطينيين، عن مشروع الكفاح المسلح لاسترداد الحقوق، ورفع المحور شعارات كبرى؛ من زوال "إسرائيل"، إلى طرد القوات الأمريكية من غرب آسيا، والعمل على استرداد القرار الوطني وسيادة دول المنطقة على نفسها وتقرير مصيرها، وهي شعارات لم يجرؤ الاتحاد السوفيتي على طرح بعضها، بل اتّبع نهج المساكنة والمهادنة مع أمريكا وحلف الناتو، فكان مصيره التفكك والانهيار، وتراجع الإيديولوجيا الشيوعية وحلف وارسو والكتلة الشرقية.
لا يمكن اتهام محور المقاومة بأنه أطلق شعاراته دون تلازمها مع الأفعال والإعداد، فقد استطاع، رغم كل الحصار، ومؤامرة "الربيع العربي"، واتفاقات "أوسلو" الفلسطينية، وغزوات الجماعات التكفيرية في العراق وسوريا، أن يحقق انتصارات عديدة طوال عقود، فهزم أمريكا وأفشل غزوة "داعش" في العراق لإسقاط النظام المؤيد للمقاومة، وصمد في سوريا طوال 14 عاماً لحمايتها من السقوط بيد التحالف الأمريكي - "الإسرائيلي" - التركي، واستطاع طرد الاحتلال "الإسرائيلي" من لبنان عام 2000، وهزيمته عام 2006، وتدعيم المقاومة الفلسطينية في غزة وتسليحها، ومنع "صفقة القرن" وتهويد القدس، وحفظ نصف اليمن عبر "أنصار الله" والإمساك بمضيق باب المندب، رغم الحرب الأمريكية - "الإسرائيلية" -السعودية عليه.
واجه محور المقاومة تحدياتٍ وأخطاء عديدة كان من شأن حسن إدارتها ومعالجة ثغراتها مراكمة الانتصارات وحفظ الإنجازات وتحقيق معظم أهدافه، اعتماداً على التحضيرات العسكرية التي استمرت أربعين عاماً، وأثبتت جدواها في تمكين المقاومة الفلسطينية في غزة من الصمود عامين في وجه حربٍ وحشية بفضل منظومة الأنفاق والأسلحة والتكتيكات النوعية، وما ظهر أيضاً في الحرب على المقاومة اللبنانية التي استطاعت بفضل هذه التحضيرات والتقنيات وشجاعة مقاوميها الصمودَ، والقتال المستمر على أعتاب سنته الرابعة، ومن أبرز تلك المشكلات التي أنهكت المحور وتهدّده وجودياً:
تحميل محور المقاومة نفسه مسؤوليات خارجة عن واجباته، وفوق قدراته.
عدم تفعيل "وحدة الساحات" بشكل حقيقي في أغلب الحروب التي خاضتها أطرافه، كعام 2006 لمدة 33 يوماً، وتكرر هذا الخطأ في حرب الـ 66 يوماً بعد اغتيال قائد المقاومة وقياداتها عام 2024، فقاتلت المقاومة الجريحة المنهكة بمفردها، ثم تكرّر الخطأ ذاته بعد وقف إطلاق النار الأمريكي - الإيراني، فقاتلت المقاومة مدة 60 يوماً وحدها، وكذلك المقاومة الفلسطينية في غزة التي لم يساندها فعلياً إلا المقاومة اللبنانية، التي دفعت ثمناً كبيراً، ولا تزال، جراء هذا الإسناد.
الخطأ الاستراتيجي في توقيت وطبيعة الانكفاء الأخير والتخلي عن نظام الأسد في سوريا بشكل مفاجئ.
الفشل الاستراتيجي الثقافي بعدم القدرة على تأسيس بنية مقاومة أو تيار عقائدي مؤيد للمقاومة في سوريا، والدليل أنه بعد سنتين من السقوط لم تظهر أي مؤشرات على ذلك، مما يمثل فشلاً عقائدياً، وسياسياً، وأمنياً.
خطأ التردد وعدم الرد الحاسم على اغتيال أمريكا و"إسرائيل" لقادة محور المقاومة، والذي بدأ بالشهيد الحاج قاسم سليماني، وقائد المقاومة العراقية أبو مهدي المهندس، وتلاه اغتيال قيادات الحرس الثوري في سوريا، والعلماء النوويون في إيران، وقادة حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وكان الخطأ الاستراتيجي والقاتل في عدم الرد الفوري والمكافئ على اغتيال السيد حسن نصر الله، الذي وصفه رئيس الوزراء "الإسرائيلي" نتنياهو بأنه "محور المحور" و"جيش بمفرده"، مما أسّس لاغتيال الشهيد المرشد الخامنئي (رحمهم الله تعالى).
الفشل في استثمار الانتصارات العسكرية سياسياً في لبنان والعراق، مما أتاح للتحالف الأمريكي - "الإسرائيلي" شطب التأثير السياسي لقوى المقاومة، وتنصيب حكومات كلفتها أمريكا بقطع رأس المقاومة في لبنان والعراق.
عدم مكافحة الفساد الداخلي على المستوى الرسمي، وعدم محاسبة الفاسدين (المقاولين) داخل تنظيمات قوى المقاومة.
الغرور وسوء تقدير الموقف، والتصرف بمواجهة العدو وفق ما تعتقده قوى المقاومة أنه "الحقيقة المطلقة" وليس وفق ما يحضّره العدو، فاعتمدت استراتيجية "الفرضيات" التي اعتبرتها حقائق مثال "لن يجرؤ... لن يغتال... لن يشن حرباً"، فكانت النتيجة كوارث الاغتيال والاجتياح.
لم ينهزم محور المقاومة بعد، ولم تنتصر أمريكا، والحرب لم تنتهِ ولن تنتهي، ولا يزال محور المقاومة يملك الكثير من أوراق القوة، فإذا أحسن إدارة الحرب، وفعّل وحدة الساحات بالرد على الهجمات الأمريكية و"الإسرائيلية"، وغادر دائرة التردد وسوء التقدير، وشن حرباً على الفساد والعمالة في صفوفه، فإنه قادر على إعادة التوازن وحفظ وجوده ومشروعه الديني والإنساني والسياسي.
المراجعة الاستراتيجية وتدارُك الأخطاء.. لتجنب الانكسار _ د. نسيب حطيط
الجمعة 17 تموز , 2026 01:36 توقيت بيروت
أقلام الثبات
الزهايمر الأميركي.. والذاكرة الإيرانية _ أمين أبوراشد
انقلاب المعايير: إلغاء الإعدام.. والعفو العام.. واعتقال المقاومين! _ د. نسيب حطيط
بعمليّات نوعيّة قادمة.. " الضربات الثأريّة الايرانيّة انطلقت "! _ ماجدة الحاج