الثبات-إسلاميات
يأتي شهرُ شعبان بين رجب ورمضان، كمرحلةٍ هادئة في الطريق إلى الله، لا يلتفت إليها كثير من الناس، مع أنها من أدقّ محطات السَّير وأعمقها أثرًا.
هو شهرٌ لا يُعلن عن نفسه بالضجيج، لكنه يعمل في الخفاء، فيُهيّئ القلوب، ويوقظ النيّات، ويعيد ترتيب العلاقة مع الطاعة قبل قدوم الموسم العظيم.
وقد كشف النبي ﷺ عن سرّ هذا الشهر حين قال: ((ذلك شهرٌ يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى ربِّ العالمين، فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم)) [رواه النسائي].
فشعبان شهر الغفلة المرفوعة، والعمل فيه شهادةُ صدقٍ على الإخلاص؛ إذ إن الطاعة إذا أُدّيت بعيدًا عن الأضواء، كانت أقرب إلى القبول.
ولذلك كان رسول الله ﷺ يُكثر من الصيام في شعبان، حتى قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: ((كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلًا)) [متفق عليه].
وما ذاك إلا ليعلّم الأمة أن القرب من الله لا يُبنى فجأة، وأن المواسم الكبرى تحتاج إلى تهيئةٍ سابقة، وإلا دخلها العبدُ مثقلاً لا مستعدًّا. شعبان هو شهر بناء العادات قبل تثبيتها، ومجال إصلاح التقصير قبل مضاعفة العمل.
فيه يتدرّب القلب على الحضور، وتُهذَّب النفس على الاستمرار، ليكون رمضان امتدادًا لا انقطاعًا، وثمرةً لا تجربةً عابرة.
وقد كان السلف الصالح يرون شعبان شهر القرّاء، وشهر المجاهدة الهادئة، يتهيؤون فيه لرمضان كما يتهيأ الزارع لموسم الحصاد، يعلم أن البذر إن لم يُحسن وضعه، خاب الرجاء عند الجَنيّ.
إن شعبان يعلّمنا أن الطريق إلى الله ليس قفزًا، بل تدرّج، وأن أعظم الأعمال ما سبقها صدق النية، وأن العبادة في زمن الغفلة علامة حياة القلب.
فمن أراد لرمضان أن يكون فتحًا، فليجعل شعبان إعدادًا، ومن أحب أن يُرفع عمله بسلام، فليُصلح ما بينه وبين الله في هذا الشهر الكريم.
نفحات من تفسير سورة الكهف من الكهف إلى المدينة: فقه النجاة في زمن الفتن
تأخير العطاء تربية لا حرمان
الدعاء عند رؤية هلال شعبان