تداعيات تسليم سلاح فصائل المقاومة العراقية على محور المقاومة _ د. نسيب حطيط

الأربعاء 03 حزيران , 2026 01:07 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
تتواصل الحرب الأمريكية الشاملة على محور المقاومة، لتفكيكه ونزع أي سلاحٍ خارج إطار الدول والحكومات التي تتحكم أمريكا بقرارات اغلبيتها، وتفرض تشكيلها تسمية رؤساء الحكومة والوزراء وبقية المسؤولين، وتجاوز الأطر الديمقراطية ونتائج الانتخابات ودورها القانوني في تشكيل المؤسسات الدستورية والقيادية.
تستمر الحرب الأمريكية على محور المقاومة منذ بدء معركة "طوفان الأقصى"، حيث حصدت أمريكا وحليفتها "إسرائيل" الكثير من الأرباح الميدانية والسياسية، مما شجعها على الاستمرار في حربها لاقتناص الفرصة الاستثنائية في تاريخ الصراع العربي - "الإسرائيلي" ،حيث امتلكت أمريكا مفاتيح المنطقة ولم يتبقَّ خارج طوعها سوى أربع ساحات متمردة ( لبنان، والعراق، واليمن، وإيران).
تشن أمريكا حربها بالترغيب والترهيب للقضاء على محور المقاومة، ونزع كل سلاح يعارض مشروعها، وللانتصار في الحرب التي تريدها الحرب الأخيرة بأقل الخسائر وبأسرع وقت، مستغلةً حالة الانهزام الشامل للشعوب والأنظمة، بعدما استطاعت تعميم ثقافة انهزامية، تزعم أن "المقاومة تَهلكةٌ للأنفس، ومغامرة وخيانة وخروج عن القانون وتخريب للسلم والأمن"، وأن "الاستسلام والمبايعة لأمريكا وإسرائيل هو العقلانية والوطنية وجوهر الدين"!
بالتلازم مع الحرب على المقاومة اللبنانية وايران، وبعد اسقاط سوريا وإبادة غزة، تعمل أمريكا على إخراج العراق من محور المقاومة بشكل ناعم؛ بالضغوط، والقرارات الحكومية، والتفكك الطائفي، لتفكيك "الحشد الشعبي" وفصائل المقاومة، عبر دمجها في الدولة العراقية ومصادرة قرارها، وتسليم سلاحها الثقيل (الذي يستطيع مواجهة العدو الإسرائيلي أو الاحتلال الأمريكي)، مع إبقاء الأسلحة الفردية والمتوسطة التي تحتاجها الحروب الأهلية، والفتن الداخلية، والمعارك بين المذاهب أو داخل المذاهب نفسها، حيث أعلنت بعض الفصائل العراقية انسحابها من "الحشد الشعبي" وتسليم سلاحها إلى الحكومة العراقية، ويمكن أن تتوالى الانسحابات لإضعاف الحشد أو إلغائه، وإلغاء دور حركات المقاومة العراقية على المستويين الداخلي والإقليمي، مما يؤدي إلى توسعة "الخندق الفاصل" بين لبنان وإيران، لا سيما بعد سقوط سوريا وتحييد العراق.
إن خروج العراق - أو إخراجه - من محور المقاومة يعطي التحالف الأمريكي - "الإسرائيلي" نقاط ربح إضافية، ويزيد الخناق على ما تبقى من قوى المقاومة، خصوصاً المقاومة اللبنانية، التي أصبحت في شبه "جزيرة معزولة" ومحاصرة جغرافياً ("إسرائيل"، والحكومة اللبنانية، وسوريا، والبحر)، ومحاصرة عالمياً على المستويين السياسي والقانوني، حيث يواصل  التحالف الأمريكي - "الإسرائيلي" حربه عليها لهزيمتها وإسقاطها، لاعتقاده أن سقوطها سيكون الضربة القاتلة والقاضية لمحور المقاومة في المنطقة، والجائزة الذهبية لأمريكا و"إسرائيل" وبعض النظام الرسمي العربي، للتخلص من القضية الفلسطينية، و"وجع الرأس" السياسي والديني والثقافي الذي تسببه المقاومة، للأنظمة والشعوب المستسلمة والمتآمرة.
صحيحٌ أن تسليم فصائل المقاومة العراقية سلاحها شأنٌ داخلي عراقي، لا يمكننا إدانته أو الاعتراض عليه كقوى مقاومة، فأهل العراق أدرى بمصالحهم وتدبير شؤونهم، لكن ستكون له ارتداداته الإقليمية ورياحه العاصفة التي ستصيبنا في لبنان، بهدف إحراج المقاومة، وزيادة حصارها، وخسارة إحدى ساحات الإسناد المفترضة والسؤال: هل يسلم احدٌ سلاحه قبل ان تنتهي الحرب، الا إذا كان مهزوما؟
هل يسلم احدٌ سلاحه وهو مهددٌ من الداخل والجيران والجماعات التكفيرية و"إسرائيل" وامريكا؟
هذا الأمر يوجب على المقاومة اللبنانية تعديل خططها واستراتيجيتها، والقتال على أساس أنها "وحيدة في الميدان" وربما في السياسة، فإذا تبدلت الأمور وربحت إسناداً، فخيرٌ وبشرى، وإن بقيت الأمور كما هي الآن، أو ساءت أكثر، فلا تكون قد أخطأت في حساباتها.
إن أخطر ما يتعرض له محور المقاومة اليوم، ليس الحرب العسكرية فقط، بل تفكيك وتغيير ثقافته القائمة على أساس "وحدة المصير والمسار والساحات"، واستبدالها بتقديم مصلحة الساحات الوطنية على القضية العامة، فالسلاح يمكن تعويضه، أما "ثقافة الجسد الواحد" التي تتراجع لصالح "الأنا الوطنية والمناطقية"، فإنها تحتاج إلى أجيال لإعادة بنائها بعد سقوطها في جولات الاختبار الأولى لوحدة الساحات.
لا خيار أمام المقاومة اللبنانية وأهلها إلا الصمود (الواعي والشرعي) وعدم الاستسلام، مهما ساءت الظروف، لأن الخيار البديل هو الاستسلام المجاني، وانتظار الاعتقال والمحاكمة والعيش وفق "اتفاقات ابراهام" و"الديانة الابراهيمية"..
سيزيد حصارنا بتراجع قوى المقاومة لداخل أوطانها، لكنه لا يعني خسارة كل أوراق القوة التي نملكها إذا استطعنا حسن إدارتها بعقلانية وواقعية؛ كما يُحسن المقاومون إدارة المعركة الميدانية التي أوقعوا من خلالها العدو "الإسرائيلي" في مأزق التردد والانفعال والعجز عن تحقيق أهدافه، مما دفعه لتفجير غضبه بثأره من المدنيين الآمنين، والمسعفين، والحجر والبشر، وهذه إشارة للعجز العسكري والإفلاس الأخلاقي والإنساني.
لا تخافوا، سينصرنا الله الجبار... ولو بقينا وحدنا.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل